14 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى كَفَرَ , سَوَاءٌ كَانَ مَازِحًا أَوْ جَادًّا أَوْ مُسْتَهْزِئًا . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: { وَلَئِنْ سَأَلَتْهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ } . وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى قَبُولِهَا , وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ . وَلَمْ نَجِدْ لِلشَّافِعِيَّةِ تَفْرِقَةً بَيْنَ الرِّدَّةِ بِذَلِكَ وَبَيْنَ الرِّدَّةِ بِغَيْرِهِ .
15 -السَّبُّ هُوَ الْكَلَامُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الِانْتِقَادُ وَالِاسْتِخْفَافُ , وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ السَّبُّ فِي عُقُولِ النَّاسِ , عَلَى اخْتِلَافِ اعْتِقَادَاتِهِمْ , كَاللَّعْنِ وَالتَّقْبِيحِ . وَحُكْمُ سَابِّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ مُرْتَدٌّ بِلَا خِلَافٍ . وَيُعْتَبَرُ سَابًّا لَهُ صلى الله عليه وسلم كُلُّ مَنْ أَلْحَقَ بِهِ صلى الله عليه وسلم عَيْبًا أَوْ نَقْصًا , فِي نَفْسِهِ , أَوْ نَسَبِهِ , أَوْ دِينِهِ , أَوْ خُصْلَةٍ مِنْ خِصَالِهِ , أَوْ ازْدَرَاهُ , أَوْ عَرَّضَ بِهِ , أَوْ لَعَنَهُ , أَوْ شَتَمَهُ , أَوْ عَابَهُ , أَوْ قَذَفَهُ , أَوْ اسْتَخَفَّ بِهِ , وَنَحْوَ ذَلِكَ .
هَلْ يُقْتَلُ السَّابُّ رِدَّةً أَمْ حَدًّا ؟
16 -قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ: إنَّ سَابَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُعْتَبَرُ مُرْتَدًّا , كَأَيِّ مُرْتَدٍّ ; لِأَنَّهُ بَدَّلَ دِينَهُ فَيُسْتَتَابُ , وَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ . أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ - فِيمَا يَنْقُلُهُ السُّبْكِيّ - فَيَرَوْنَ أَنَّ سَبَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رِدَّةٌ وَزِيَادَةٌ , وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ السَّابَّ كَفَرَ أَوَّلًا , فَهُوَ مُرْتَدٌّ , وَأَنَّهُ سَبَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَاجْتَمَعَتْ عَلَى قَتْلِهِ عِلَّتَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا تُوجِبُ قَتْلَهُ وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ سَابَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَا يُسْتَتَابُ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَافِرًا فَيُسْلِمَ .
حُكْمُ سَبِّ الْأَنْبِيَاءِ عليهم الصلاة والسلام:
17 -مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مَنْ هُمْ مَحَلُّ اتِّفَاقٍ عَلَى نُبُوَّتِهِمْ , فَمَنْ سَبَّهُمْ فَكَأَنَّمَا سَبَّ نَبِيَّنَا صلى الله عليه وسلم وَسَابُّهُ كَافِرٌ , فَكَذَا كُلُّ نَبِيٍّ مَقْطُوعٍ بِنُبُوَّتِهِ , وَعَلَى ذَلِكَ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ . وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا غَيْرَ مَقْطُوعٍ بِنُبُوَّتِهِ , فَمَنْ سَبَّهُ زُجِرَ , وَأُدِّبَ وَنُكِلَ بِهِ , لَكِنْ لَا يُقْتَلُ , صَرَّحَ بِهَذَا الْحَنَفِيَّةُ .
حُكْمُ سَبِّ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:
18 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ رضي الله عنها , فَقَدْ كَذَّبَ صَرِيحَ الْقُرْآنِ الَّذِي نَزَلَ بِحَقِّهَا , وَهُوَ بِذَلِكَ كَافِرٌ قَالَ تَعَالَى فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ بَعْدَ أَنْ بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ: { يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } . فَمَنْ عَادَ لِذَلِكَ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ . وَهَلْ تُعْتَبَرُ مِثْلُهَا سَائِرُ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ ؟ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إنَّهُنَّ مِثْلُهَا فِي ذَلِكَ . وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } . وَالطَّعْنُ بِهِنَّ يَلْزَمُ مِنْهُ الطَّعْنُ بِالرَّسُولِ وَالْعَارُ عَلَيْهِ , وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ . وَالْقَوْلُ الْآخَرُ وَهُوَ مَذْهَبٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى لِلْحَنَابِلَةِ: إنَّهُنَّ - سِوَى عَائِشَةَ - كَسَائِرِ الصَّحَابَةِ , وَسَابُّهُنَّ يُجْلَدُ , لِأَنَّهُ قَاذِفٌ . أَمَّا سَابُّ الْخُلَفَاءِ فَهُوَ لَا يَكْفُرُ , وَتَوْبَتُهُ مَقْبُولَةٌ .
حُكْمُ مَنْ قَالَ لِمُسْلِمٍ يَا كَافِرُ: