وَلَكِنْ يُدْعَوْنَ إلَى الْإِسْلَامِ , فَإِنْ أَسْلَمُوا , وَإِلَّا قُوتِلُوا , وَتُسْتَرَقُّ نِسَاؤُهُمْ وَذَرَارِيُّهُمْ , وَلَا يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ , وَهُمْ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّينَ إلَّا فِي حُكْمِ الْإِجْبَارِ عَلَى الْإِسْلَامِ , فَإِنَّ نِسَاءَ الْمُرْتَدِّينَ وَذَرَارِيَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ فِي الْأَصْلِ فَيُجْبَرُونَ عَلَى الْعَوْدِ , وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالذَّرَارِيُّ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ مَا كَانُوا مُسْلِمِينَ فِي الْأَصْلِ فَلَا يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ , وَلَكِنَّهُمْ يُسْتَرَقُّونَ { ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَبَى النِّسَاءَ , وَالذَّرَارِيَّ بِأَوْطَاسٍ , وَقَسَّمَهُمْ } , وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه سَبَى النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ , فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي الْمُرْتَدِّينَ فَفِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ أَوْلَى , وَأَمَّا الرِّجَالُ مِنْهُمْ لَا يُسْتَرَقُّونَ عِنْدَنَا , وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله تعالى يُسْتَرَقُّونَ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ جَازَ الِاسْتِرْقَاقُ فِي حَقِّ سَائِرِ الْكُفَّارِ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ , وَهُوَ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي عَمَلِهِمْ وَخِدْمَتِهِمْ , وَلِأَنَّ الِاسْتِرْقَاقَ إتْلَافٌ حُكْمِيٌّ , وَمَنْ جَازَ فِي حَقِّهِ الْإِتْلَافُ الْحَقِيقِيُّ مِنْ الْكُفَّارِ الْأَصْلِيِّينَ يَجُوزُ الْإِتْلَافُ الْحُكْمِيُّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ; لِأَنَّ فِيهِ تَحْقِيقَ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ بِتَبْدِيلِ صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ بِالْمَمْلُوكِيَّةِ , وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِحَالِ كُلِّ كَافِرٍ , فَإِنَّهُمْ لَمَّا أَنْكَرُوا وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ تَعَالَى عَاقَبَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ جَعَلَهُمْ عَبِيدَ عَبِيدِهِ , وَهَكَذَا كَانَ يَنْبَغِي فِي الْمُرْتَدِّينَ إلَّا أَنَّ قَتْلَ الْمُرْتَدِّ عَلَى رِدَّتِهِ حَدٌّ فَقُلْنَا لَا يُتْرَكُ إقَامَةُ الْحَدِّ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ , وَلِأَنَّ حُرِّيَّتَهُ كَانَتْ مُتَأَكِّدَةً بِالْإِسْلَامِ فَلَا يُحْتَمَلُ النَّقْضُ بِالِاسْتِرْقَاقِ , وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي حَقِّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ ( وَحُجَّتُنَا ) فِي ذَلِكَ قوله تعالى { تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } قِيلَ مَعْنَاهُ إلَى أَنْ يُسْلِمُوا , وَالْآيَةُ فِيمَنْ كَانَ يُقَاتِلُهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم , وَهُمْ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ فَدَلَّ أَنَّهُمْ يُقْتَلُونَ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا . وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: { لَا رِقَّ عَلَى عَرَبِيٍّ } , وَقَالَ يَوْمَ أَوْطَاسٍ { لَوْ جَرَى رِقٌّ عَلَى عَرَبِيٍّ لَكَانَ الْيَوْمَ , وَإِنَّمَا هُوَ الْقَتْلُ أَوْ الْإِسْلَامُ } , وَظَاهِرُ قوله تعالى { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا } يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِرْقَاقِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْمُفَادَاةِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْتِغَاءُ عَرَضِ الدُّنْيَا , وَلِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ عَقْدُ الذِّمَّةِ بِالِاتِّفَاقِ , وَالِاسْتِرْقَاقُ وَالذِّمَّةُ يَتَقَارَبَانِ فِي الْمَعْنَى ; لِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ إبْقَاءَ الْكَافِرِ عَلَى كُفْرِهِ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ مِنْ مَالٍ أَوْ عَمَلٍ , وَفِي الْجِزْيَةِ مَعْنَى الصِّغَارِ , وَالْعُقُوبَةُ فِي حَقِّهِمْ كَمَا فِي الِاسْتِرْقَاقِ بَلْ أَظْهَرُ , وَالِاسْتِرْقَاقُ ثَابِتٌ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَالصِّغَارِ , وَالْجِزْيَةُ لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ , فَإِذَا لَمْ يَجُزْ إبْقَاءُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ عَلَى الشِّرْكِ بِالْجِزْيَةِ فَكَذَلِكَ بِالِاسْتِرْقَاقِ , وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمْ فِي تَغَلُّظِ جِنَايَتِهِمْ كَالْمُرْتَدِّينَ , فَكَمَا لَا يُسْتَرَقُّ الْمُرْتَدُّونَ فَكَذَلِكَ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ , بِخِلَافِ سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْعَرَبِ حُكْمُهُمْ حُكْمُ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى يَجُوزَ اسْتِرْقَاقُهُمْ , وَأَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ ; لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ الْعَرَبِ فِي الْأَصْلِ , وَإِنْ تَوَطَّنُوا فِي أَرْضِ الْعَرَبِ بَلْ هُمْ فِي الْأَصْلِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ , وَلَئِنْ كَانُوا فِي الْأَصْلِ مِنْ الْعَرَبِ فَجِنَايَتُهُمْ فِي الْغِلَظِ لَيْسَتْ كَجِنَايَةِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فَإِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَدَّعُونَ التَّوْحِيدَ , وَلِهَذَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ , وَتَجُوزُ مُنَاكَحَةُ نِسَائِهِمْ بِخِلَافِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ , وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ يَهُودَ تَيْمَاءَ , وَوَادِي الْقُرَى , وَكَذَلِكَ مِنْ بَهْزٍ , وَتَنُوخِ , وَطِيء وَعُمَرُ رضي الله عنه أَرَادَ أَنْ يُوَظِّفَ الْجِزْيَةَ عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ ثُمَّ صَالَحَهُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ الْمُضَعَّفَةِ , وَقَالَ هَذِهِ جِزْيَةٌ فَسَمُّوهَا مَا شِئْتُمْ , وَكَانُوا مِنْ الْعَرَبِ .
(1) -المبسوط - (ج 12 / ص 274)