وَيُقْتَلُ الْمَمْلُوكُ عَلَى الرِّدَّةِ ; لِأَنَّهُ مُحَارِبٌ كَالْحُرِّ , وَكَسْبُهُ إذَا قُتِلَ لِمَوْلَاهُ ; لِأَنَّهُ بِمِلْكِ الرَّقَبَةِ يَخْلُفُهُ فِي مِلْكِ الْكَسْبِ , وَلَا تُقْتَلُ الْمَمْلُوكَةُ وَتُحْبَسُ ; لِأَنَّهَا لَيْسَ لَهَا بِنْيَةٌ صَالِحَةٌ لِلْقِتَالِ كَالْحُرَّةِ , وَإِذَا كَانَ أَهْلُهَا يَحْتَاجُونَ إلَى خِدْمَتِهَا دَفَعْتُهَا إلَيْهِمْ , وَأَمَرَتْهُمْ بِإِجْبَارِهَا عَلَى الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ فِي الْمَحَلِّ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِحَاجَةِ الْعَبْدِ , وَلِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ مُمْكِنٌ فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي إجْبَارِهَا عَلَى الْإِسْلَامِ , وَمَوْلَاهَا يَنُوبُ فِي ذَلِكَ عَنْ الْإِمَامِ فَتُدْفَعُ إلَيْهِ لِيَسْتَخْدِمَهَا , وَيُجْبِرُهَا عَلَى الْإِسْلَامِ , وَجِنَايَةُ الْأَمَةِ وَالْمُكَاتَبِ فِي الرِّدَّةِ كَجِنَايَتِهِمْ فِي غَيْرِ الرِّدَّةِ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِمْ بَاقٍ بَعْدَ الرِّدَّةِ , وَالْمُكَاتَبُ أَحَقُّ بِكَسْبِهِ بَعْدَ الرِّدَّةِ يَدًا وَتَصَرُّفًا كَمَا كَانَ قَبْلَهُ فَيَكُونُ مُوجَبُ جِنَايَتِهِ فِي كَسْبِهِ .
أَمَّا فِي الذُّكُورِ مِنْهُمْ فَلِاسْتِحْقَاقِ قَتْلِهِمْ بِالرِّدَّةِ , وَمَنْ اسْتَوْفَى قَتْلًا مُسْتَحَقًّا يَكُونُ مُحْسِنًا لَا جَانِيًا , وَفِي الْإِنَاثِ قَتْلُ الْمَمْلُوكَةِ بَعْدَ الرِّدَّةِ كَقَتْلِ الْحُرَّةِ , وَمَنْ قَتَلَ حُرَّةً مُرْتَدَّةً لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا , وَإِنْ ارْتَكَبَ مَا لَا يَحِلُّ , وَيُؤَدَّبُ عَلَى ذَلِكَ فَكَذَلِكَ الْأَمَةُ قَالَ: لِأَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ يَرَى عَلَيْهَا الْقَتْلَ , وَلِأَنَّهَا كَالْحَرْبِيَّةِ , وَالْحَرْبِيَّةُ لَا تُقْتَلُ , وَلَوْ قَتَلَهَا قَاتِلٌ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فَكَذَلِكَ الْمُرْتَدَّةُ . ( فَإِنْ قِيلَ ) فَلِمَاذَا لَا تُسْتَرَقُّ فِي دَارِنَا . ؟ قُلْنَا: لِبَقَاءِ الْإِحْرَازِ , وَمِنْ ضَرُورَةِ تَأَكُّدِ الْحُرْمَةِ بِالْإِحْرَازِ مَنْعُ الِاسْتِرْقَاقِ , وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ تَقَوُّمُ الدَّمِ كَمَا فِي الْمَقْضِيِّ عَلَيْهَا بِالرَّجْمِ , وَإِذَا كَانَ هَدَرُ الدَّمِ مِمَّا يَثْبُتُ مَعَ الْإِحْرَازِ يَثْبُتُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُرْتَدَّةِ فَكَانَتْ فِيهِ كَالْحَرْبِيَّةِ .
وَإِذَا بَاعَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ الْمُرْتَدَّ أَوْ أُمَّتَهُ الْمُرْتَدَّةَ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ لِبَقَاءِ صِفَةِ الْمَمْلُوكِيَّةِ , وَالرِّقُّ فِيهِ بَعْدَ الرِّدَّةِ .
( فَإِنْ قِيلَ ) جَوَازُ الْبَيْعِ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ , وَلَا مَالِيَّةَ فِيهِمَا حَتَّى لَا يَضْمَنَ قَاتِلُهُمَا .
( قُلْنَا ) لَا كَذَلِكَ بَلْ الْمَالِيَّةُ فِي الْآدَمِيِّ بِسَبَبِ الْمَمْلُوكِيَّةِ , وَهُوَ ثَابِتٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالتَّقَوُّمِ بِالْإِحْرَازِ وَهُوَ بَاقٍ فِيهِمَا , وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُتْلِفِ الضَّمَانُ لِعَارِضٍ وَهُوَ الرِّدَّةُ , أَلَا تَرَى أَنَّ غَاصِبَهُمَا يَكُونُ ضَامِنًا وَأَنَّ الرِّدَّةَ عَيْبٌ فِيهِمَا , وَالْعَيْبُ لَا يَعْدَمُ الْمَالِيَّةَ وَالتَّقَوُّمَ , وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الْبَائِعُ أَعْلَمَ الْمُشْتَرِيَ فَالْبَيْعُ لَازِمٌ لِانْتِفَاءِ التَّدْلِيسِ حِينَ أَعْلَمَهُ الْعَيْبَ .
مُدَبَّرَةٌ أَوْ أُمُّ وَلَدٍ ارْتَدَّتْ وَلَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ فَمَاتَ مَوْلَاهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أُخِذَتْ أَسِيرَةً فَهِيَ فَيْءٌ , بِخِلَافِ مَا لَوْ أُسِرَتْ قَبْلَ مَوْتِ الْمَوْلَى فَإِنَّهَا تُرَدُّ عَلَيْهِ لِقِيَامِ مِلْكِهِ , فَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى فَقَدْ عَتَقَتْ ; لِأَنَّ عِتْقَهَا كَانَ تَعَلَّقَ بِمَوْتٍ , وَتَبَايُنُ الدَّارَيْنِ لَا يَمْنَعُ نُزُولَ الْعِتْقِ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ , وَإِذَا عَتَقَتْ فَهِيَ حُرَّةٌ مُرْتَدَّةٌ أُسِرَتْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فَتَكُونُ فَيْئًا .
عَبْدٌ ارْتَدَّ مَعَ مَوْلَاهُ , وَلَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ فَمَاتَ الْمَوْلَى هُنَاكَ وَأُسِرَ الْعَبْدُ فَهُوَ فَيْءٌ ; لِأَنَّهُ مَالُ حَرْبِيٍّ فَقَدْ أَحْرَزَهُ مَعَ نَفْسِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ , وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ ثُبُوتِ حَقِّ وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ فَيَكُونُ فَيْئًا , وَيُقْتَلُ إنْ لَمْ يُسْلِمْ لِرِدَّتِهِ .
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا ذَهَبَ بِهِ الْمُرْتَدُّ مِنْ مَالِهِ مَعَ نَفْسِهِ فَهُوَ فَيْءٌ , (5)
(1) - المبسوط - (ج 12 / ص 252)
(2) - المبسوط - (ج 12 / ص 253)
(3) -المبسوط - (ج 12 / ص 254)
(4) -المبسوط - (ج 12 / ص 255)
(5) -المبسوط - (ج 12 / ص 256)