أَمَانَهُمْ لَمْ يَبْطُلْ بِنَقْضِ الْعَهْدِ , وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ , وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَشْهَبَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ غَيْرَ أَشْهَبَ وَمُقَابِلِ الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يُنْتَقَضُ عَهْدُ الْجَمِيعِ وَتُسْبَى النِّسَاءُ وَالذَّرَارِيُّ , قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: هَذَا الَّذِي خَالَفَتْ فِيهِ سِيرَةُ عُمَرَ سِيرَةَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهما فِي الَّذِينَ ارْتَدُّوا مِنْ الْعَرَبِ , سَارَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ سِيرَةَ النَّاقِضِينَ فَسَبَى النِّسَاءَ وَالصِّغَارَ وَجَرَتْ الْمَقَاسِمُ فِي أَمْوَالِهِمْ . فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بَعْدَهُ نَقَضَ ذَلِكَ وَسَارَ فِيهِمْ سِيرَةَ الْمُرْتَدِّينَ , أَخْرَجَهُمْ مِنْ الرِّقِّ وَرَدَّهُمْ إلَى عَشَائِرِهِمْ وَإِلَى الْجِزْيَةِ . وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: مَنْ وُلِدَ بَعْدَ نَقْضِ الْعَهْدِ فَإِنَّهُ يُسْتَرَقُّ وَيُسْبَى . وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي ( أَهْلِ الذِّمَّةِ ) .
5 -سِرَايَةُ الْقَوَدِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ , فَإِذَا قَطَعَ طَرَفًا يَجِبُ الْقَوَدُ فِيهِ فَاسْتَوْفَى مِنْهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ثُمَّ مَاتَ الْجَانِي بِسِرَايَةِ الِاسْتِيفَاءِ لَمْ يَلْزَمْ الْمُسْتَوْفِي شَيْءٌ , وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ , وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ رضي الله عنهم , وَقَالُوا: لِأَنَّهُ قَطْعٌ مُسْتَحَقٌّ مُقَدَّرٌ فَلَا تُضْمَنُ سِرَايَتُهُ كَقَطْعِ السَّارِقِ , وَلَا يُمْكِنُ التَّقْيِيدُ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ لِمَا فِيهِ سَدُّ بَابِ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ بِالْقِصَاصِ , وَالِاحْتِرَازُ عَنْ السِّرَايَةِ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَضْمَنُ دِيَةَ النَّفْسِ ; لِأَنَّهُ قَتْلٌ بِغَيْرِ حَقٍّ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْقَطْعِ وَهُوَ وَقَعَ قَتْلًا , وَلَوْ وَقَعَ هَذَا الْقَطْعُ ظُلْمًا فِي غَيْرِ قِصَاصٍ وَسَرَى إلَى النَّفْسِ , كَانَ قَتْلًا مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ , أَوْ الدِّيَةِ ; وَلِأَنَّهُ جُرْحٌ أَفْضَى إلَى فَوَاتِ الْحَيَاةِ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ , وَهُوَ مُسَمَّى الْقَتْلِ إلَّا أَنَّ الْقِصَاصَ سَقَطَ لِلشُّبْهَةِ فَوَجَبَ الْمَالُ . وَالتَّفْصِيلُ فِي"قِصَاصٍ". وَالْعِبْرَةُ فِي الضَّمَانِ , وَنَوْعِهِ وَقَدْرِهِ بِوَقْتِ الْجِنَايَةِ لَا بِوَقْتِ السِّرَايَةِ , فَإِنْ جَرَحَ مُسْلِمٌ حَرْبِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَا ثُمَّ مَاتَا بِالسِّرَايَةِ فَلَا ضَمَانَ , كَعَكْسِهِ , بِأَنْ جَرَحَ حَرْبِيٌّ مُسْلِمًا فَأَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ ثُمَّ مَاتَ الْمُسْلِمُ ; لِأَنَّهُ جُرْحٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ فَسِرَايَتُهُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ . وَإِنْ جَرَحَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ الْمَجْرُوحُ فَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ فَلِوَلِيِّهِ الْقِصَاصُ بِالْجُرْحِ , لَا بِالنَّفْسِ . وَإِنْ تَخَلَّلَ الْمُهْدَرُ بَيْنَ الْجُرْحِ وَالْمَوْتِ بِالسِّرَايَةِ كَأَنْ يَجْرَحَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا , ثُمَّ ارْتَدَّ الْمَجْرُوحُ , ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِتَخَلُّلِ حَالَةِ الْإِهْدَارِ بَيْنَ الْجِنَايَةِ , وَالْمَوْتِ بِالسِّرَايَةِ وَتَجِبُ الدِّيَةُ لِوُقُوعِ الْجِنَايَةِ , وَالْمَوْتِ بِالسِّرَايَةِ فِي حَالَةِ الْعِصْمَةِ . وَإِنْ جَرَحَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا فَأَسْلَمَ وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ فَلَا قِصَاصَ عِنْدَ مَنْ يَرَى عَدَمَ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِجِنَايَتِهِ مَنْ يُكَافِئُهُ , وَتَجِبُ دِيَةُ مُسْلِمٍ ; لِأَنَّهُ فِي الِابْتِدَاءِ مَضْمُونٌ وَفِي الِانْتِهَاءِ حُرٌّ مُسْلِمٌ . وَالْقَاعِدَةُ فِي هَذَا الْبَابِ هِيَ: 1 - أَنَّ كُلَّ جُرْحٍ غَيْرُ مَضْمُونٍ لَا يَنْقَلِبُ مَضْمُونًا بِتَغَيُّرِ الْحَالِ فِي الِانْتِهَاءِ . 2 - وَكُلُّ جُرْحٍ مَضْمُونٌ فِي الْحَالَيْنِ فَالْعِبْرَةُ فِي قَدْرِ الضَّمَانِ بِالِانْتِهَاءِ . 3 - وَكُلُّ جُرْحٍ مَضْمُونٍ لَا يَنْقَلِبُ غَيْرَ مَضْمُونٍ بِتَغَيُّرِ الْحَالِ . وَالتَّفْصِيلُ فِي ( قِصَاصٍ ) .
الْإِغْمَاءُ وَالْجُنُونُ وَالسُّكْرُ بَعْدَ النِّيَّةِ: (2)
(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 8598)
(2) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 9923)