فهرس الكتاب

الصفحة 562 من 738

18 -حُقُوقُ اللَّهِ الْمَالِيَّةُ كَالزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ , بَلْ يَجِبُ مَعَ التَّوْبَةِ تَبْرِئَةُ الذِّمَّةِ بِأَدَائِهَا كَمَا تَقَدَّمَ . أَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ الْمَالِيَّةِ كَالْحُدُودِ مَثَلًا فَقَدْ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ جَرِيمَةَ قَطْعِ الطَّرِيقِ ( الْحِرَابَةُ ) تَسْقُطُ بِتَوْبَةِ الْقَاطِعِ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ ; لقوله تعالى: { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } . فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ قَاطِعَ الطَّرِيقِ إذَا تَابَ قَبْلَ أَنْ يُظْفَرَ بِهِ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ , وَالْمُرَادُ بِمَا قَبْلَ الْقُدْرَةِ فِي الْآيَةِ أَنْ لَا تَمْتَدَّ إلَيْهِمْ يَدُ الْإِمَامِ بِهَرَبٍ أَوْ اسْتِخْفَاءٍ أَوْ امْتِنَاعٍ . وَتَوْبَتُهُ بِرَدِّ الْمَالِ إلَى صَاحِبِهِ إذَا كَانَ قَدْ أَخَذَ الْمَالَ لَا غَيْرُ , مَعَ الْعَزْمِ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ لِمِثْلِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ . فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقَطْعُ أَصْلًا , وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقَتْلُ حَدًّا , وَكَذَلِكَ إنْ أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ حَدًّا , وَلَكِنْ يَدْفَعَهُ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ يَقْتُلُونَهُ قِصَاصًا إذَا تَحَقَّقَتْ شُرُوطُهُ . وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ فَتَوْبَتُهُ النَّدَمُ عَلَى مَا فَعَلَ وَالْعَزْمُ عَلَى التَّرْكِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ . وَلَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُحَارِبِ حَدُّ الزِّنَى وَالشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ إذَا ارْتَكَبَهَا حَالَ الْحِرَابَةِ ثُمَّ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْأَظْهَرِ , وَهُوَ احْتِمَالٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ , وَمَفْهُومُ إطْلَاقِ الْحَنَفِيَّةِ فِي هَذِهِ الْحُدُودِ . وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ خِلَافُ الْأَظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا تَسْقُطُ عَنْ الْمُحَارِبِ إذَا تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لِعُمُومِ الْآيَةِ . أَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْجِرَاحِ فَلَا تَسْقُطُ عَنْ الْمُحَارِبِ كَغَيْرِ الْمُحَارِبِ إلَّا أَنْ يُعْفَى لَهُ عَنْهَا .

19 -أَمَّا فِي غَيْرِ الْمُحَارَبَةِ فَإِنَّ الْحُدُودَ الْمُخْتَصَّةَ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَلَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ , وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ , وَالْأَظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ , وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ ; لقوله تعالى: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } وَهَذَا عَامٌّ فِي التَّائِبِينَ وَغَيْرِهِمْ ; وَلِأَنَّ { النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجَمَ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ , وَقَطَعَ الَّذِي أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ , وَقَدْ جَاءُوا تَائِبِينَ يَطْلُبُونَ التَّطْهِيرَ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ , وَقَدْ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِعْلَهُمْ تَوْبَةً فَقَالَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ: لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ عَلَى سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ } وَالرَّأْيُ الثَّانِي وَهُوَ خِلَافُ الْأَظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَرَأْيٌ لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ إنْ تَابَ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ مِنْ غَيْرِ الْمُحَارِبِينَ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ لقوله تعالى: { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا } وَذَكَرَ حَدَّ السَّارِقِ ثُمَّ قَالَ: { فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ } . عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ فَرَّقُوا بَيْنَ التَّوْبَةِ مِنْ هَذِهِ الْجَرَائِمِ قَبْلَ الرَّفْعِ لِلْإِمَامِ وَبَعْدَهُ فَيَقُولُونَ بِإِسْقَاطِ التَّوْبَةِ لَهَا قَبْلَ الرَّفْعِ لَا بَعْدَهُ . كَمَا فُصِّلَ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عُقُوبَةَ الرِّدَّةِ تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الرَّفْعِ وَبَعْدَهُ . ( ر: رِدَّةٌ ) .

هـ - الرِّدَّةُ :(1)

ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الرِّدَّةَ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - لَا تُبْطِلُ التَّيَمُّمَ فَيُصَلِّي بِهِ إذَا أَسْلَمَ ; لِأَنَّ الْحَاصِلَ بِالتَّيَمُّمِ الطَّهَارَةُ , وَالْكُفْرُ لَا يُنَافِيهَا كَالْوُضُوءِ ; وَلِأَنَّ الرِّدَّةَ تُبْطِلُ ثَوَابَ الْعَمَلِ لَا زَوَالَ الْحَدَثِ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ الرِّدَّةَ تُبْطِلُ التَّيَمُّمَ لِضَعْفِهِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ لِقُوَّتِهِ .

ب - ( فِي الْحُدُودِ ) : (2)

(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 5117)

(2) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 5571)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت