فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 738

هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; مِنْهُمْ عُمَرُ , وَعَلِيٌّ , وَعَطَاءٌ , وَالنَّخَعِيُّ , وَمَالِكٌ , وَالثَّوْرِيُّ , وَالْأَوْزَاعِيُّ , وَإِسْحَاقُ , وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ . وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ . وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ , رِوَايَةٌ أُخْرَى , أَنَّهُ لَا تَجِبُ اسْتِتَابَتُهُ , لَكِنْ تُسْتَحَبُّ . وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ , وَهُوَ قَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ , وَطَاوُسٍ . وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: { مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } . وَلَمْ يَذْكُرْ اسْتِتَابَتَهُ . وَرُوِيَ أَنَّ مُعَاذًا قَدِمَ عَلَى أَبِي مُوسَى , فَوَجَدَ عِنْدَهُ رَجُلًا مُوثَقًا , فَقَالَ: مَا هَذَا ؟ قَالَ: رَجُلٌ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ , ثُمَّ رَاجَعَ دِينَهُ دِينَ السَّوْءِ فَتَهَوَّدَ . قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ , قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . قَالَ: اجْلِسْ . قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ , قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . ثَلَاثَ مَرَّاتٍ , فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَلَمْ يَذْكُرْ اسْتِتَابَتَهُ ; وَلِأَنَّهُ يُقْتَلُ لِكُفْرِهِ , فَلَمْ تَجِبْ اسْتِتَابَتُهُ كَالْأَصْلِيِّ ; وَلِأَنَّهُ لَوْ قُتِلَ قَبْلَ الِاسْتِتَابَةِ , لَمْ يُضْمَنْ , وَلَوْ حَرُمَ قَتْلُهُ قَبْلَهُ ضُمِنَ . وَقَالَ عَطَاءٌ: إنْ كَانَ مُسْلِمًا أَصْلِيًّا , لَمْ يُسْتَتَبْ , وَإِنْ كَانَ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ , اُسْتُتِيبَ . وَلَنَا حَدِيثُ أُمِّ مَرْوَانَ , أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ أَنْ تُسْتَتَابَ . وَرَوَى مَالِكٌ , فِي"الْمُوَطَّأِ"عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِي , عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى , فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلْ كَانَ مِنْ مُغَرِّبَةِ خَبَرٍ ؟ قَالَ: نَعَمْ رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ , فَقَالَ: مَا فَعَلْتُمْ بِهِ ؟ قَالَ: قَرَّبْنَاهُ , فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ . فَقَالَ عُمَرُ: فَهَلَّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا , فَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا , وَاسْتَتَبْتُمُوهُ , لَعَلَّهُ يَتُوبُ , أَوْ يُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ ؟ اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ أَحْضُرْ , وَلَمْ آمُرْ , وَلَمْ أَرْضَ إذْ بَلَغَنِي . وَلَوْ لَمْ تَجِبْ اسْتِتَابَتُهُ لَمَا بَرِئَ مِنْ فِعْلِهِمْ . وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِصْلَاحُهُ , فَلَمْ يَجُزْ إتْلَافُهُ قَبْلَ اسْتِصْلَاحِهِ , كَالثَّوْبِ النَّجِسِ . وَأَمَّا الْأَمْرُ بِقَتْلِهِ , فَالْمُرَادُ بِهِ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ , بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا . وَأَمَّا حَدِيثُ مُعَاذٍ فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِيهِ: وَكَانَ قَدْ اُسْتُتِيبَ . وَيُرْوَى أَنَّ أَبَا مُوسَى اسْتَتَابَهُ شَهْرَيْنِ قَبْلَ قُدُومِ مُعَاذٍ عَلَيْهِ , وَفِي رِوَايَةٍ: فَدَعَاهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً , أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ , فَجَاءَ مُعَاذٌ , فَدَعَاهُ وَأَبَى , فَضَرَبَ عُنُقَهُ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد . وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ وُجُوبُ الضَّمَانِ , بِدَلِيلِ نِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَصِبْيَانِهِمْ وَشُيُوخِهِمْ . إذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الِاسْتِتَابَةِ , فَمُدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ . رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه . وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ , وَإِسْحَاقُ , وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ . وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ فِي الْآخَرِ: إنْ تَابَ فِي الْحَالِ , وَإِلَّا قُتِلَ مَكَانَهُ , وَهَذَا أَصَحُّ قَوْلَيْهِ . وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ ; لِحَدِيثِ أُمِّ مَرْوَانَ , وَمُعَاذٍ , وَلِأَنَّهُ مُصِرٌّ عَلَى كُفْرِهِ , أَشْبَهَ بَعْدَ الثَّلَاثِ . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: يُدْعَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ , فَإِنْ أَبَى , ضُرِبَتْ عُنُقُهُ . وَهَذَا يُشْبِهُ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ النَّخَعِيُّ: يُسْتَتَابُ أَبَدًا . وَهَذَا يُفْضِي إلَى أَنْ لَا يُقْتَلَ أَبَدًا , وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ . وَعَنْ عَلِيٍّ , أَنَّهُ اسْتَتَابَ رَجُلًا شَهْرًا . وَلَنَا حَدِيثُ عُمَرَ , وَلِأَنَّ الرِّدَّةَ إنَّمَا تَكُونُ لِشُبْهَةٍ , وَلَا تَزُولُ فِي الْحَالِ , فَوَجَبَ أَنْ يُنْتَظَرَ مُدَّةً يَرْتَئِي فِيهَا , وَأَوْلَى ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ , لِلْأَثَرِ فِيهَا , وَإِنَّهَا مُدَّةٌ قَرِيبَةٌ . وَيَنْبَغِي أَنْ يُضَيَّقَ عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ الِاسْتِتَابَةِ , وَيُحْبَسَ ; لِقَوْلِ عُمَرَ: هَلَّا حَبَسْتُمُوهُ , وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا ؟ وَيُكَرِّرُ دِعَايَتَهُ , لَعَلَّهُ يَتَعَطَّفُ قَلْبُهُ , فَيُرَاجِعَ دِينَهُ .

( 7087 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ إنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ ; لِمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت