فهرس الكتاب

الصفحة 577 من 738

35 -ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ - فِي قَوْلٍ - وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إلَى أَنَّ اسْتِتَابَةَ الْمُرْتَدِّ غَيْرُ وَاجِبَةٍ . بَلْ مُسْتَحَبَّةٌ كَمَا يُسْتَحَبُّ الْإِمْهَالُ , إنْ طَلَبَ الْمُرْتَدُّ ذَلِكَ , فَيُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ . وَعِنْدَ مَالِكٍ تَجِبُ الِاسْتِتَابَةُ وَيُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ . وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ , وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي أَظْهَرِ الْأَقْوَالِ يَجِبُ الِاسْتِتَابَةُ وَتَكُونُ فِي الْحَالِ فَلَا يُمْهَلُ . وَثَبَتَتْ الِاسْتِتَابَةُ بِمَا وَرَدَ { أَنَّ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ رُومَانَ ارْتَدَّتْ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ فَإِنْ تَابَتْ وَإِلَّا قُتِلَتْ } . وَلِأَثَرٍ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ اسْتَتَابَ الْمُرْتَدَّ ثَلَاثًا .

كَيْفِيَّةُ تَوْبَةِ الْمُرْتَدِّ :

36 -قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: تَوِيَةُ الْمُرْتَدِّ أَنْ يَتَبَرَّأَ عَنْ الْأَدْيَانِ سِوَى الْإِسْلَامِ , أَوْ عَمَّا انْتَقَلَ إلَيْهِ بَعْدَ نُطْقِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ , وَلَوْ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ أَوْ بِدُونِ التَّبَرِّي لَمْ يَنْفَعْهُ مَا لَمْ يَرْجِعْ عَمَّا قَالَ إذْ لَا يَرْتَفِعُ بِهِمَا كُفْرُهُ . قَالُوا: إنْ شَهِدَ الشَّاهِدَانِ عَلَى مُسْلِمٍ بِالرِّدَّةِ وَهُوَ مُنْكِرٌ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ لَا لِتَكْذِيبِ الشُّهُودِ , بَلْ لِأَنَّ إنْكَارَهُ تَوْبَةٌ وَرُجُوعٌ , فَيَمْتَنِعُ الْقَتْلُ فَقَطْ وَتَثْبُتُ بَقِيَّةُ أَحْكَامِ الرِّدَّةِ . قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْكَارُ مَعَ الْإِقْرَارِ بِالشَّهَادَتَيْنِ . وَإِذَا نَطَقَ الْمُرْتَدُّ بِالشَّهَادَتَيْنِ: صَحَّتْ تَوْبَتُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ , وَالشَّافِعِيَّةِ , وَالْحَنَابِلَةِ , لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ , فَمَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ } . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَحَيْثُ إنَّ الشَّهَادَةَ يَثْبُتُ بِهَا إسْلَامُ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ فَكَذَا الْمُرْتَدُّ . فَإِذَا ادَّعَى الْمُرْتَدُّ الْإِسْلَامَ , وَرَفَضَ النُّطْقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ , لَا تَصِحُّ تَوْبَتُهُ . وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْمُرْتَدَّ إنْ مَاتَ , فَأَقَامَ وَارِثُهُ بَيِّنَةً أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ الرِّدَّةِ: حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ . وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ تَحْصُلُ تَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ بِصَلَاتِهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لَا بُدَّ فِي إسْلَامِ الْمُرْتَدِّ مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ كُفْرُهُ لِإِنْكَارِ شَيْءٍ آخَرَ , كَمَنْ خَصَّصَ رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ بِالْعَرَبِ أَوْ جَحَدَ فَرْضًا أَوْ تَحْرِيمًا فَيَلْزَمُهُ مَعَ الشَّهَادَتَيْنِ الْإِقْرَارُ بِمَا أَنْكَرَ . قَالَ الْحَنَابِلَةُ: وَلَوْ صَلَّى الْمُرْتَدُّ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ رِدَّتُهُ بِجَحْدِ فَرِيضَةٍ , أَوْ كِتَابٍ , أَوْ نَبِيٍّ , أَوْ مَلَكٍ , أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ الْمُكَفِّرَةِ الَّتِي يَنْتَسِبُ أَهْلُهَا إلَى الْإِسْلَامِ , فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِمُجَرَّدِ صَلَاتِهِ ; لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَيَفْعَلُهَا مَعَ كُفْرِهِ . وَأَمَّا لَوْ زَكَّى أَوْ صَامَ فَلَا يَكْفِي ذَلِكَ لِلْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ , لِأَنَّ الْكُفَّارَ يَتَصَدَّقُونَ , وَالصَّوْمُ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ , وَتَوْبَةِ مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ , وَتَوْبَةُ السَّاحِرِ عَلَى أَقْوَالٍ يُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ: ( تَوْبَةٌ ) .

تَوْبَةُ سَابِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم:

37 -قَالَ الْحَنَفِيَّةُ بِقَبُولِ تَوْبَةِ سَابِّ اللَّهِ تَعَالَى . وَكَذَا الْحَنَابِلَةُ , مَعَ ضَرُورَةِ تَأْدِيبِ السَّابِّ وَعَدَمِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنْهُ ثَلَاثًا . وَفِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ خِلَافٌ , الرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ قَبُولُ تَوْبَتِهِ , وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ . أَمَّا سَابُّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ , وَالْحَنَابِلَةُ إلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: تُقْبَلُ تَوْبَةُ قَاذِفِهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْأَصَحِّ , وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ: يُقْتَلُ حَدًّا وَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ , وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: يُجْلَدُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ; لِأَنَّ الرِّدَّةَ ارْتَفَعَتْ بِإِسْلَامِهِ وَبَقِيَ جَلْدُهُ . وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ . وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: مَنْ شَتَمَ نَبِيًّا مُجْمَعًا عَلَى نُبُوَّتِهِ بِقُرْآنٍ أَوْ نَحْوِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ ; لِأَنَّ كُفْرَهُ يُشْبِهُ كُفْرَ الزِّنْدِيقِ , وَيُقْتَلُ حَدًّا لَا كُفْرًا إنْ قُتِلَ بَعْدَ تَوْبَتِهِ لِأَنَّ قَتْلَهُ حِينَئِذٍ لِأَجْلِ ازْدِرَائِهِ لَا لِأَجْلِ كُفْرِهِ .

تَوْبَةُ مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت