فهرس الكتاب

الصفحة 350 من 738

وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ , وَالْعَنْبَرِيِّ . وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ , وَابْنِ مَسْعُودٍ , وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ , وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ الْخَلَّالِ , وَقَالَ: إنَّهُ أَوْلَى عَلَى مَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ . وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى , لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ , وَمَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ . وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ , وَاللَّيْثِ , وَإِسْحَاقَ . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ , كَهَاتَيْنِ , وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا } . وَالزِّنْدِيقُ لَا تَظْهَرُ مِنْهُ عَلَامَةٌ تُبَيِّنُ رُجُوعَهُ وَتَوْبَتَهُ ; لِأَنَّهُ كَانَ مُظْهِرًا لِلْإِسْلَامِ , مُسِرًّا لِلْكُفْرِ , فَإِذَا وُقِفَ عَلَى ذَلِكَ , فَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ , لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ قَبْلَهَا , وَهُوَ إظْهَارُ الْإِسْلَامِ , وَأَمَّا مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ , فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا } . وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ظَبْيَانَ بْنِ عُمَارَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَعْدٍ مَرَّ عَلَى مَسْجِدِ بَنِي حَنِيفَةَ , فَإِذَا هُمْ يَقْرَءُونَ بِرَجَزِ مُسَيْلِمَةَ , فَرَجَعَ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ , فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ , فَبَعَثَ إلَيْهِمْ , فَأُتِيَ بِهِمْ , فَاسْتَتَابَهُمْ , فَتَابُوا , فَخَلَّى سَبِيلَهُمْ , إلَّا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ ابْنُ النَّوَّاحَةِ . قَالَ: قَدْ أُتِيتُ بِكَ مَرَّةً , فَزَعَمْتَ أَنَّكَ قَدْ تُبْتَ , وَأَرَاك قَدْ عُدْتَ . فَقَتَلَهُ . وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى , قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } . وَرُوِيَ { أَنَّ رَجُلًا سَارَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَدْرِ مَا سَارَّهُ بِهِ , حَتَّى جَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا هُوَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؟ . قَالَ: بَلَى , وَلَا شَهَادَةَ لَهُ . قَالَ: أَلَيْسَ يُصَلِّي ؟ . قَالَ: بَلَى , وَلَا صَلَاةَ لَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِمْ } . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { إنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إلَّا الَّذِينَ تَابُوا } . وَرُوِيَ أَنَّ مَخْشِيَّ بْنَ حِمْيَرٍ كَانَ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } . فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَتَابَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى , فَقَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ , وَهُوَ الطَّائِفَةُ الَّتِي عَنَى اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: { إنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً } فَهُوَ الَّذِي عَفَا اللَّهُ عَنْهُ , وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى , أَنْ يُقْتَلَ فِي سَبِيلِهِ , وَلَا يُعْلَمَ بِمَكَانِهِ , فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ , وَلَمْ يُعْلَمْ مَوْضِعُهُ . وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَفَّ عَنْ الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَظْهَرُوا مِنْ الشَّهَادَةِ , مَعَ إخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِبَاطِنِهِمْ , بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَيَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ إنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ } وَغَيْرِهَا مِنْ الْآيَاتِ . وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حُجَّةٌ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ , مَعَ اسْتِسْرَارِهِمْ بِكُفْرِهِمْ . وَأَمَّا قَتْلُهُ ابْنَ النَّوَّاحَةِ , فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَتَلَهُ لِظُهُورِ كَذِبِهِ فِي تَوْبَتِهِ ; لِأَنَّهُ أَظْهَرَهَا , وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مَا زَالَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِ . وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَتَلَهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ حِينَ جَاءَ رَسُولًا لِمُسَيْلِمَةِ: { لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ , لَقَتَلْتُكَ } فَقَتَلَهُ تَحْقِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَتَلَهُ لِذَلِكَ . وَفِي الْجُمْلَةِ , فَالْخِلَافُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ فِي الظَّاهِرِ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا . مِنْ تَرْكِ قَتْلِهِمْ , وَثُبُوتِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِمْ ; وَأَمَّا قَبُولُ اللَّهِ تَعَالَى لَهَا فِي الْبَاطِنِ , وَغُفْرَانُهُ لِمَنْ تَابَ وَأَقْلَعَ ظَاهِرًا أَمْ بَاطِنًا , فَلَا خِلَافَ فِيهِ , فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي الْمُنَافِقِينَ: { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاَللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا }

( 7089 ) فَصْلٌ : وَقَتْلُ الْمُرْتَدِّ إلَى الْإِمَامِ , حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت