30 -لَيْسَ لِتَوْبَةِ الْمَحْبُوسِ وَنَحْوِهِ زَمَنٌ مُحَدَّدٌ تُعْرَفُ بِهِ , بَلْ يَعُودُ تَقْدِيرُ إمْكَانِيَّةِ حُصُولِهَا إلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ قَرَائِنَ نَتِيجَةَ الْمُرَاقَبَةِ وَالتَّتَبُّعِ . وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ: أَنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَأْخُذَ أَهْلَ الْجَرَائِمِ بِالتَّوْبَةِ إجْبَارًا وَيُظْهِرَ مِنْ الْوَعِيدِ عَلَيْهِمْ مَا يَقُودُهُمْ إلَيْهَا طَوْعًا . وَمِنْ الْأَسْبَابِ الْمُعِينَةِ عَلَى التَّوْبَةِ تَمْكِينُ أَهْلِ الْمَحْبُوسِ وَجِيرَانِهِ مِنْ زِيَارَتِهِ . فَذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ كَرَدِّ الْحُقُوقِ إلَى أَصْحَابِهَا , وَذَلِكَ تَوْبَةٌ .
31 -عَلَى أَنَّ هُنَاكَ جَرَائِمَ جَسِيمَةً وَخَطِيرَةً تَسْتَلْزِمُ سُرْعَةَ ظُهُورِ التَّوْبَةِ لِمَا فِي الْإِصْرَارِ عَلَى الذَّنْبِ مِنْ آثَارٍ خَطِيرَةٍ , وَمِنْ ذَلِكَ: الرِّدَّةُ الَّتِي حُدِّدَتْ مُدَّةُ التَّوْبَةِ مِنْهَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ . وَيُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي السِّحْرِ , وَتَرْكِ الصَّلَاةِ كَسَلًا عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ . أَمَّا إذَا حُبِسَ الزَّانِي الْبِكْرُ بَعْدَ حَدِّهِ وَظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ قَبْلَ السَّنَةِ فَلَا يُخْرَجُ حَتَّى تَنْقَضِيَ , لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْحَدِّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ .
حَالَاتُ الْحَبْسِ بِسَبَبِ الِاعْتِدَاءِ عَلَى الدِّينِ وَشَعَائِرِهِ: (1)
أ - ( الْحَبْسُ لِلرِّدَّةِ ) : 55 - إذَا ثَبَتَتْ رِدَّةُ الْمُسْلِمِ حُبِسَ حَتَّى تُكْشَفَ شُبْهَتُهُ وَيُسْتَتَابَ . وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ هَذَا الْحَبْسِ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: إنَّ حَبْسَ الْمُرْتَدِّ لِاسْتِتَابَتِهِ قَبْلَ قَتْلِهِ وَاجِبٌ , وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ أُخْبِرَ عَنْ قَتْلِ رَجُلٍ كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامٍ فَقَالَ لِقَاتِلِيهِ: أَفَلَا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَقَدَّمْتُمْ لَهُ خُبْزًا , فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قَتَلْتُمُوهُ . . اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ أَحْضُرْ وَلَمْ آمُرْ وَلَمْ أَرْضَ إذْ بَلَغَنِي . فَلَوْ كَانَ حَبْسُهُ غَيْرَ وَاجِبٍ لَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ , وَلَمَا تَبَرَّأَ مِنْ عَمَلِهِمْ , وَقَدْ سَكَتَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ فَكَانَ إجْمَاعًا سُكُوتِيًّا . ثُمَّ إنَّ اسْتِصْلَاحَ الْمُرْتَدِّ مُمْكِنٌ بِحَبْسِهِ وَاسْتِتَابَتِهِ فَلَا يَجُوزُ إتْلَافُهُ قَبْلَ ذَلِكَ . وَبِنَحْوِ هَذَا فَعَلَ عَلِيٌّ رضي الله عنه . الْقَوْلِ الثَّانِي: إنَّ حَبْسَ الْمُرْتَدِّ لِاسْتِتَابَتِهِ قَبْلَ قَتْلِهِ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ , وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ , وَالْمَنْقُولُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَطَاوُسٍ , وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ لِحَدِيثِ: { مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } وَلِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ , وَقَدْ جَاءَتْ رِدَّتُهُ عَنْ تَصْمِيمٍ وَقَصْدٍ , وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَجِبُ حَبْسُهُ لِاسْتِتَابَتِهِ بَلْ يُسْتَحَبُّ طَمَعًا فِي رُجُوعِهِ الْمَوْهُومِ . وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ بَعَثَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُخْبِرُهُ بِفَتْحِ تَسْتُرَ , فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ قَوْمٍ مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ: مَا أَخْبَارُهُمْ ؟ فَقَالَ أَنَسٌ: إنَّهُمْ ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ وَلَحِقُوا بِالْمُشْرِكِينَ مَا سَبِيلُهُمْ إلَّا الْقَتْلُ . فَقَالَ عُمَرُ: لَأَنْ آخُذَهُمْ سِلْمًا أَحَبُّ إلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ . فَقَالَ أَنَسٌ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِمْ ؟ قَالَ عُمَرُ: أَعْرِضُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا إلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ فَعَلُوا وَإِلَّا اسْتَوْدَعْتهمْ السِّجْنَ . وَيُرْوَى فِي هَذَا أَيْضًا أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَدِمَ عَلَى أَبِي مُوسَى الْيَمَنَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ رَجُلًا مُوثَقًا فَقَالَ: مَا هَذَا ؟ قَالَ: رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامٍ , ثُمَّ دَعَاهُ إلَى الْجُلُوسِ فَقَالَ مُعَاذٌ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ هَذَا - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ , فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ . وَفِي الْمُرْتَدِّ الَّذِي يُحْبَسُ , وَمُدَّةُ حَبْسِهِ وَمَسَائِلَ أُخْرَى تَتَعَلَّقُ بِالْمُرْتَدِّ تَفْصِيلَاتٌ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: ( رِدَّةٌ ) .
إنْفَاقُ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ الْمَحْبُوسَةِ: (2)
(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 5760)
(2) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 5782)