اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ , فِي رِدَّةِ السَّكْرَانِ ; فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا تَصِحُّ . قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَهُوَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ . وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ . وَعَنْهُ , لَا يَصِحُّ . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِالِاعْتِقَادِ وَالْقَصْدِ , وَالسَّكْرَانُ لَا يَصِحُّ عَقْدُهُ وَلَا قَصْدُهُ , فَأَشْبَهَ الْمَعْتُوهَ , وَلِأَنَّهُ زَائِلُ الْعَقْلِ , فَلَمْ تَصِحَّ رِدَّتُهُ كَالنَّائِمِ , وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ , فَلَمْ تَصِحَّ رِدَّتُهُ كَالْمَجْنُونِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ , أَنَّ الْعَقْلَ شَرْطٌ فِي التَّكْلِيفِ , وَهُوَ مَعْدُومٌ فِي حَقِّهِ , وَلِهَذَا لَمْ تَصِحَّ اسْتِتَابَتُهُ . وَلَنَا , أَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم , قَالُوا فِي السَّكْرَانِ: إذَا سَكِرَ هَذَى , وَإِذَا هَذَى افْتَرَى , فَحَدُّوهُ حَدَّ الْمُفْتَرِي . فَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ حَدَّ الْفِرْيَةِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا فِي سُكْرِهِ , وَأَقَامُوا مَظِنَّتَهَا مُقَامَهَا , وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ , فَصَحَّتْ رِدَّتُهُ كَالصَّاحِي . وَقَوْلُهُمْ"لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ"مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ , وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ , وَيَأْثَمُ بِفِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ . وَهَذَا مَعْنَى التَّكْلِيفِ , وَلِأَنَّ السَّكْرَانَ لَا يَزُولُ عَقْلُهُ بِالْكُلِّيَّةِ , وَلِهَذَا يَتَّقِي الْمَحْذُورَاتِ , وَيَفْرَحُ بِمَا يَسُرُّهُ , وَيُسَاءُ بِمَا يَضُرُّهُ , وَيَزُولُ سُكْرُهُ عَنْ قُرْبٍ مِنْ الزَّمَانِ , فَأَشْبَهَ النَّاعِسَ , بِخِلَافِ النَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ , وَأَمَّا اسْتِتَابَتُهُ فَتُؤَخَّرُ إلَى حِينِ صَحْوِهِ , لِيَكْمُلَ عَقْلُهُ , وَيَفْهَمَ مَا يُقَالُ لَهُ , وَتُزَالَ شُبْهَتُهُ إنْ كَانَ قَدْ قَالَ الْكُفْرَ مُعْتَقِدًا لَهُ , كَمَا تُؤَخَّرُ اسْتِتَابَتُهُ إلَى حِينِ زَوَالِ شِدَّةِ عَطَشِهِ وَجُوعِهِ , وَيُؤَخَّرُ الصَّبِيُّ إلَى حِينِ بُلُوغِهِ وَكَمَالِ عَقْلِهِ , وَلِأَنَّ الْقَتْلَ جُعِلَ لِلزَّجْرِ , وَلَا يَحْصُلُ الزَّجْرُ فِي حَالِ سُكْرِهِ . وَإِنْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ فِي حَالِ سُكْرِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ ; لِأَنَّ عِصْمَتَهُ زَالَتْ بِرِدَّتِهِ . وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ , لَمْ يَرِثْهُ وَرَثَتُهُ , وَلَا يَقْتُلُهُ حَتَّى يَتِمَّ لَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ , ابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ ارْتَدَّ , فَإِنْ اسْتَمَرَّ سُكْرُهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ , لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يَصْحُوَ , ثُمَّ يُسْتَتَابَ عَقِيبَ صَحْوِهِ , فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ فِي الْحَالِ . وَإِنْ أَسْلَمَ فِي سُكْرِهِ صَحَّ إسْلَامُهُ , ثُمَّ يُسْأَلُ بَعْدَ صَحْوِهِ , فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى إسْلَامِهِ , فَهُوَ مُسْلِمٌ مِنْ حِينِ أَسْلَمَ ; لِأَنَّ إسْلَامَهُ صَحِيحٌ , وَإِنْ كَفَرَ فَهُوَ كَافِرٌ مِنْ الْآنَ ; لِأَنَّ إسْلَامَهُ صَحَّ , وَإِنَّمَا يُسْأَلُ اسْتِظْهَارًا , وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ إسْلَامِهِ فِي سُكْرِهِ , مَاتَ مُسْلِمًا .
سَوَاءٌ كَانَ كَافِرًا أَصْلِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا ; لِأَنَّهُ إذَا صَحَّتْ رِدَّتُهُ مَعَ أَنَّهَا مَحْضُ مَضَرَّةٍ , وَقَوْلُ بَاطِلٍ , فَلَأَنْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ , الَّذِي هُوَ قَوْلُ حَقٍّ , وَمَحْضُ مَصْلَحَةٍ , أَوْلَى . فَإِنْ رَجَعَ عَنْ إسْلَامِهِ , وَقَالَ: لَمْ أَدْرِ مَا قُلْت . لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى مَقَالَتِهِ , وَأُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ , فَإِنْ أَسْلَمَ , وَإِلَّا قُتِلَ وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَصِحَّ إسْلَامُهُ , بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ رِدَّتَهُ لَا تَصِحُّ , فَإِنَّ مَنْ لَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ , لَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ , كَالطِّفْلِ وَالْمَعْتُوهِ .
( 7120 ) فَصْلٌ: وَلَا تَصِحُّ رِدَّةُ الْمَجْنُونِ وَلَا إسْلَامُهُ ;
لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ . وَإِنْ ارْتَدَّ فِي صِحَّتِهِ , ثُمَّ جُنَّ , لَمْ يُقْتَلْ فِي حَالِ جُنُونِهِ ; لِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِالْإِصْرَارِ عَلَى الرِّدَّةِ , وَالْمَجْنُونُ لَا يُوصَفُ بِالْإِصْرَارِ , وَلَا يُمْكِنُ اسْتِتَابَتُهُ . وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فَجُنَّ قُتِلَ ; لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ , وَهَا هُنَا يَسْقُطُ بِرُجُوعِهِ , وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ إنَّمَا يَسْقُطُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَحِقِّ لَهُ , فَنَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا أَنْ يُجَنَّ الْمُسْتَحِقُّ لِلْقِصَاصِ , فَإِنَّهُ لَا يَسْتَوْفِي حَالَ جُنُونِهِ .
( 7121 ) فَصْلٌ: وَمَنْ أَصَابَ حَدًّا ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ , أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّهُ .