فهرس الكتاب

الصفحة 635 من 738

وقد ذهبنا إلى جواز ذلك في تشريح جثث الموتى ممن لا أهل لهم قبل دفنهم في مقابر الصدقة لتحقيق مصلحة عامة راجحة للناس إحياء لنفوسهم أو علاجا لأمراضهم أو لمعرفة أسباب الحوادث الجنائية التى تقع عليهم مستندين إلى ما سبق أن أوضحناه، وإلى أن القواعد الأصولية تقضى بإيجاب ما يتوقف عليه أداء الواجب .

فإذا أوجب الشارع شيئا تضمن ذلك إيجاب ما يتوقف عليه ذلك الشئ .

وعلى ذلك وتطبيقا لما ذهبنا إليه في الإفتاء بجواز تشريح الجثث للموتى نقول بجواز سلخ قرنية عين الميت وتركيبها للكفيف شرعا إذا كان في ذلك مصلحة للكفيف .

عن الموضوع الثانى - ظاهر من السؤال أن المراد الاستفسار عن حكم توكيل المحامى المدنى غير المسلم ليقوم بما يقوم به المحامى الشرعى ويتدخل تدخلا مباشرا في الدفاع في القضايا والأحكام الشرعية أى التوكيل بالخصومة .

وقد اتفق الفقهاء على أن التوكيل بالخصومة جائز من الخصم طالبا كان أو مطلوبا، لأنه يملك أن يباشرها بنفسه فيملك إسنادها إلى غيره ليقوم فيها مقامه، فإن الحاجة تدعو إلى ذلك، إما لقلة هدايته وإما لصيانة نفسه عن الابتذال في مجلس الخصومة .

وقد كان الإمام على كرم الله وجهه إذا خوصم في شئ من أمواله وكل عقيلا رضى الله عنه، ولما كبرت سن عقيل كان يوكل عبدالله بن جعفر، وقال هو وكيلى فما قضى عليه فهو على، وما قضى له فهو لى .

وكان يقول إن للخصومة فحما، وإن الشيطان ليحضرها، وإنى لأكره أن أحضرها .

وقال ابن قدامة الحنبلى هذه قصص اشتهرت لأنها في مظنه الشهرة، ولم ينقل إنكارها .

وأخذ من ذلك إجماع الصحابة على جوازها. وقال السرخسى الحنفى .

وقد جرى الرسم على التوكيل على أبواب القضاة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من غير نكير منكر ولا زجر زاجر، ومع اتفاق الفقهاء على أصل الجواز اختلفوا فقال مالك والشافعى وأحمد وابن أبى ليلى وأبو يوسف ومحمد يجوز التوكيل في إثبات الحقوق والمخاصمة فيها صحيحا كان الموكل أو مريضا .

طالبا كان أو مطلوبا. شريفا كان أو وضيعا. رضى بذلك صاحبه أو لم يرض .

وقال أبو حنيفة إن التوكيل بالخصومة صحيح إلا إنه لا يلزمه بدون رضا الخصم إلا أن يكون الموكل مريضا أو غائبا مدة السفر أو امرأة مخدرة، فإنه إن كان معذورا بمثل هذه الأعذار جاز توكيله ولزم من غير رضا الخصم .

واتحاد الدين ليس شرطا في صحة الوكالة عند الحنفية، فيصح أن يوكل المسلم الذمى، والذمى المسلم في الخصومة .

والردة لا تمنع صحة الوكالة عندهم أيضا، فلو وكل المسلم مرتدا جاز، لأن توقف تصرفات المرتد لتوقف ملكه وهو إذا كان وكيلا لا يتصرف في ملكه، بل يتصرف في ملك الموكل وهو نافذ التصرفات .

أما اختلاف الدارين فهو مانع من صحة الوكالة عندهم بالنسبة لغير المسلمين .

فلو وكل المسلم أو الذمى في دار الإسلام حربيا في دار الحرب، أو وكل الحربى أحدهما فالوكالة باطلة .

سواء كان مدعيا أو مدعى عليه، كما لا يصح أن يحضر وكيلا عن الحربى حربى مستأمن في دار الإسلام .

وعند الإمام أحمد كل من صح تصرفه في شئ بنفسه وكان مما تدخله النيابة صح أن يوكل فيه رجلا أو امرأة حرا أو عبدا مسلما أو كافرا، سواء أكان هذا الكافر ذميا أو مستأمنا أو حربيا أو مرتدا .

وفى فروع المالكية إن توكيل الذمى على استخلاص دين له على مسلم ممنوع .

لأنه ربما أغلظ له وشق عليه في الطلب وإن كان غير ذلك فلا منع وإن توكيل المسلم للذمى في البيع والشراء وتقاضى الدين ممنوع، لأنه لا يعرف الشروط ولا يتحرى وقد يتعمد مخالفتها إذا عرفها .

وقال الدسوقى في حاشيته. لا يمنع توكيله إلا في هذه الثلاثة، ومقتضى ذلك جواز توكيل المسلم الذمى في الخصومة وإن كان مقتضى تعليل المنع في الأمور الثلاثة بأنه لا يعرف الشروط ولا يتحرى وقد يتعمد مخالفتها إذا عرفها - ألا يصح التوكيل في الخصومة وعند الشافعية .

من صح منه مباشرة الشئ صح توكيله فيه غيره، وأن يوكل فيه عن غيره .

واستثنوا من الثانى توكيل الكافر في شراء المسلم ويصح في الأصح مع امتناع شرائه لنفسه، وكذلك توكيله في طلاق المسلمة يصح في الأصح (الأشباه والنظائر للسيوطى) فى فقه الشافعية .

صفحة 572، 573. ومقتضى التعميم في بيان الحكم .

وظاهر الفروع التى سيقت على سبيل الاستثناء من الشق الثانى أن اختلاف الدين لا يمنع من صحة الوكالة عند الشافعية .

ونتيجة ذلك كله أن توكيل المسلم أو الذمى غير المسلم في الخصومة جائز .

وتطبيقا على ذلك يجوز توكيل المحامى المدنى غير المسلم في الدفاع في القضايا والأحكام الرعية وقيامه مقام المحامى الشرعى فيما ذكر .

والله تعالى أعلم

دور الشريعة الإسلامية في تحقيق أهداف المجتمع

المفتي

جاد الحق على جاد الحق .

1 أبريل 1979 م

المبادئ

1 -الأحكام الشرعية التى فصلها المصدران الأساسيان وهما القرآن والسنة، وما أجمع عليه المسلمون، وما ثبت بالقياس الصحيح، كل ذلك ثابت لا نقاش فيه، أما ما لم يرد فيه نص قاطع أو إجماع فهو محل اجتهاد .

2 -تطبيق الشريعة الإسلامية في المجتع إنما يعنى ربطه بالأسس الشرعية الثابتة دون الجزئيات المتغيرة، على أن الأخلاق الإسلامية لا تدخل في المتغيرات .

بل هى من الأعمال الثابتة التى يجب أن يلتزم بها المجتمع .

3 -لابد من التفريق بين أخلاقيات وعادات الناس وأعرافهم .

4 -شريعة الإسلام دواء لما أصاب المجتمع من علل وأمراض اجتماعية، تخلق فيه روح الصفاء والتآلف والبذل والعطاء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت