مَحَلِّ التَّحْسِينِ , وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ( وَتَحْسِينِيٌّ ) وَهُوَ ضَرْبَانِ , أَحَدُهُمَا ( غَيْرُ مُعَارِضٍ لِلْقَوَاعِدِ ) أَيْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ ( كَتَحْرِيمِ النَّجَاسَةِ ) فَإِنَّ نَفْرَةَ الطِّبَاعِ مَعْنًى يُنَاسِبُ تَحْرِيمَهَا حَتَّى أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّضَمُّخُ بِالنَّجَاسَةِ بِلَا عُذْرٍ ( وَ ) كَ ( سَلْبِ الْمَرْأَةِ عِبَارَةَ عَقْدِ النِّكَاحِ ) لِاسْتِحْيَاءِ النِّسَاءِ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْعُقُودِ عَلَى فُرُوجِهِنَّ , لِإِشْعَارِهِ بِتَوَقَانِ نُفُوسِهِنَّ إلَى الرِّجَالِ , وَهُوَ غَيْرُ لَائِقٍ بِالْمُرُوءَةِ , وَكَذَا اعْتِبَارُ الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِهِ وَتَمْيِيزِهِ عَنْ السِّفَاحِ بِالْإِعْلَامِ وَالْإِظْهَارِ ( لَا ) سَلْبِ ( الْعَبْدِ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ عَلَى أَصْلِنَا ) لِقَبُولِهَا عِنْدَنَا فِي كُلِّ شَيْءٍ عَلَى الْمَذْهَبِ . الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ التَّحْسِينِيِّ: الْمُعَارِضُ لِقَوَاعِدِ الشَّرْعِ . وَهُوَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ( أَوْ مُعَارِضٍ ) , ( كَالْكِتَابَةِ ) وَهِيَ بَيْعُ سَيِّدٍ رَقِيقَهُ نَفْسَهُ بِمَالٍ فِي ذِمَّتِهِ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ: مُبَاحٍ مَعْلُومٍ مُنَجَّمٍ نَجْمَيْنِ فَصَاعِدًا , أَوْ مَنْفَعَةٍ مُؤَجَّلَةٍ , فَإِنَّ الْكِتَابَةَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا مَكْرُمَةً فِي الْقَاعِدَةِ مُسْتَحْسَنَةً احْتَمَلَ الشَّرْعُ فِيهَا جَزْمَ قَاعِدَةٍ مُمَهِّدَةٍ , وَهِيَ امْتِنَاعُ بَيْعِ الْإِنْسَانِ مَالَ نَفْسِهِ بِمَالِ نَفْسِهِ وَمُعَامَلَةِ عَبْدِهِ ( وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ بِحُجَّةٍ ) عِنْدَ الْأَكْثَرِ , خِلَافًا لِمَالِكٍ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ , وَتُسَمَّى الْمَصْلَحَةَ الْمُرْسَلَةَ . قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ . انْتَهَى . وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِأَنَّا لَا نَعْلَمُ مُحَافَظَةَ الشَّرْعِ عَلَيْهَا , وَلِذَلِكَ لَمْ يُشْرَعْ فِي زَوَاجِرِهَا أَبْلَغُ مِمَّا شُرِعَ , كَالْمُثْلَةِ فِي الْقِصَاصِ , فَإِنَّهَا أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنْ الْقَتْلِ , وَكَذَا الْقَتْلُ فِي السَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ , فَإِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنْهُمَا , وَلَمْ يُشْرَعْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ . فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ حُجَّةً لَحَافَظَ الشَّرْعُ عَلَى تَحْصِيلِهَا بِأَبْلَغِ الطُّرُقِ , لَكِنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ بِفِعْلٍ , فَلَا تَكُونُ حُجَّةً , فَإِذًا إثْبَاتُهَا حُجَّةٌ مِنْ بَابِ وَضْعِ الشَّرْعِ بِالرَّأْيِ . وَاحْتَجَّ مَنْ اعْتَبَرَهَا بِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهَا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ , لَا حَصْرَ لَهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَالْأَمَارَاتِ , وَسَمَّوْهَا مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً , وَلَمْ يُسَمُّوهَا قِيَاسًا ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَرْجِعُ إلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ , بِخِلَافِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ , فَإِنَّهَا لَا تَرْجِعُ إلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ , بَلْ رَأَيْنَا الشَّارِعَ اعْتَبَرَهَا فِي مَوَاضِعَ مِنْ الشَّرِيعَةِ , فَاعْتَبَرْنَاهَا حَيْثُ وُجِدَتْ ; لِعِلْمِنَا أَنَّ جِنْسَهَا مَقْصُودٌ لَهُ , وَبِأَنَّ الرُّسُلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ - بُعِثُوا لِتَحْصِيلِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ , فَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْرَاءِ , فَمَهْمَا وَجَدْنَا مَصْلَحَةً غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ لِلشَّرْعِ فَنَعْتَبِرُهَا ; لِأَنَّ الظَّنَّ مَنَاطُ الْعَمَلِ .
(1) - شرح الكوكب المنير - (ج 2 / ص 464)