فهرس الكتاب

الصفحة 579 من 738

41 -ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ اُبْتُدِئَ مِنْ تَرِكَتِهِ بِتَسْدِيدِ دُيُونِهِ . لَكِنْ هَلْ يُسَدَّدُ مِنْ كَسْبِهِ فِي الْإِسْلَامِ ؟ أَمْ مِنْ كَسْبِهِ فِي الرِّدَّةِ ؟ أَمْ مِنْهُمَا مَعًا ؟ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي مَصِيرِ أَمْوَالِ الْمُرْتَدِّ وَتَصَرُّفَاتِهِ , وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ السَّرَخْسِيُّ: اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي قَضَاءِ دُيُونِهِ , فَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه أَنْ تُقْضَى دُيُونُهُ مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ , فَإِنْ لَمْ يَفِ بِذَلِكَ فَحِينَئِذٍ مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّ كَسْبَ الْإِسْلَامِ حَقُّ وَرَثَتِهِ , وَلَا حَقَّ لِوَرَثَتِهِ فِي كَسْبِ رِدَّتِهِ , بَلْ هُوَ خَالِصُ حَقِّهِ , فَلِهَذَا كَانَ فَيْئًا إذَا قُتِلَ , فَكَانَ وَفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ خَالِصِ حَقِّهِ أَوْلَى , وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُبْدَأُ بِكَسْبِ الْإِسْلَامِ فِي قَضَاءِ دُيُونِهِ , فَإِنْ لَمْ تَفِ بِذَلِكَ فَحِينَئِذٍ مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ ; لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ مِنْ مِلْكِ الْمَدْيُونِ . . فَأَمَّا كَسْبُ الرِّدَّةِ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لَهُ , فَلَا يُقْضَى دَيْنُهُ مِنْهُ , إلَّا إذَا تَعَذَّرَ قَضَاؤُهُ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ . وَرَوَى زُفَرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ دُيُونَ إسْلَامِهِ تُقْضَى مِنْ كَسْبِ الْإِسْلَامِ , وَمَا اسْتَدَانَ فِي الرِّدَّةِ يُقْضَى مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ ; لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلْكَسْبَيْنِ مُخْتَلِفٌ , وَحُصُولُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَسْبَيْنِ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ الَّذِي وَجَبَ بِهِ الدَّيْنُ , فَيُقْضَى كُلُّ دَيْنٍ مِنْ الْكَسْبِ الْمُكْتَسَبِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ; لِيَكُونَ الْغُرْمُ بِمُقَابَلَةِ الْغُنْمِ , وَبِهِ قَالَ زُفَرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اكْتَسَبَهُ فِي رِدَّتِهِ , كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ كَسْبُهُ فَيَكُونُ مَصْرُوفًا إلَى دَيْنِهِ , كَكَسْبِ الْمُكَاتَبِ . 42 - وَإِذَا أَقَرَّ الْمُرْتَدُّ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ فَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: إنْ أَسْلَمَ جَازَ , أَمَّا إنْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ , فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ إلَّا عَلَى مَا اكْتَسَبَهُ بَعْدَ رِدَّتِهِ . أَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَيَرَى أَنَّ إقْرَارَهُ كُلَّهُ جَائِزٌ إنْ قُتِلَ مُرْتَدًّا , أَوْ تَابَ , وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إنْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ مَاتَ , فَإِنَّ إقْرَارَهُ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِ الْمَرِيضِ , يُبْتَدَأُ أَوَّلًا بِدَيْنِ الْإِسْلَامِ , فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ كَانَ لِأَصْحَابِ دُيُونِ الرِّدَّةِ ; لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا أُهْدِرَ دَمُهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى اعْتِبَارِ إقْرَارِ الْمُرْتَدِّ عَمَّا قَبْلَ الرِّدَّةِ وَخِلَالِهَا , مَا لَمْ يُوقَفْ تَصَرُّفُهُ , فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أَقَرَّ بِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ لِأَحَدٍ , قَالَ: وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ الدَّيْنُ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ , وَلَا بِإِقْرَارٍ مِنْهُ مُتَقَدِّمٍ لِلرِّدَّةِ , وَلَمْ يُعْرَفْ إلَّا بِإِقْرَارٍ مِنْهُ فِي الرِّدَّةِ فَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ عَلَيْهِ وَمَا دَانَ فِي الرِّدَّةِ , قَبْلَ وَقْفِ مَالِهِ لَزِمَهُ , وَمَا دَانَ بَعْدَ وَقْفِ مَالِهِ , فَإِنْ كَانَ مِنْ بَيْعٍ رُدَّ الْبَيْعُ , وَإِنْ كَانَ مِنْ سَلَفٍ وُقِفَ , فَإِنْ مَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ بَطَلَ , وَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ لَزِمَهُ .

أَمْوَالُ الْمُرْتَدِّ وَتَصَرُّفَاتُهُ :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت