25 -إذَا ثَبَتَتْ رِدَّةُ إنْسَانٍ بِالْبَيِّنَةِ , فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ ارْتَدَّ , فَلِلْفُقَهَاءِ فِي اعْتِبَارِ ذَلِكَ الْإِنْكَارِ مِنْهُ تَوْبَةٌ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ مَنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِالرِّدَّةِ , وَهُوَ يُنْكِرُهَا , وَهُوَ مُقِرٌّ بِالتَّوْحِيدِ وَبِمَعْرِفَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَبِدِينِ الْإِسْلَامِ , فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُ , لَا لِتَكْذِيبِ الشُّهُودِ , بَلْ لِأَنَّ إنْكَارَهُ تَوْبَةٌ وَرُجُوعٌ , فَيُمْتَنَعُ الْقَتْلُ فَقَطْ , وَتَثْبُتُ بَقِيَّةُ أَحْكَامِ الرِّدَّةِ , كَحُبُوطِ عَمَلٍ وَبُطْلَانِ وَقْفٍ . . . إلَخْ . الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يُحْكَمُ بِرِدَّتِهِ , وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَصِيرُ بِهِ الْكَافِرُ مُسْلِمًا , فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ اُسْتُتِيبَ , فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ . وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمَالِكِيَّةُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِمْ . هَذَا وَقَدْ نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ ثُبُوتُ رِدَّتِهِ بِالْإِقْرَارِ . فَإِنَّ إنْكَارَهُ يَكُونُ تَوْبَةً , وَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُ , كَمَا فِي سَائِرِ الْحُدُودِ . وَلَمْ نَجِدْ لِغَيْرِ الْحَنَابِلَةِ نَصًّا فِي ذَلِكَ , وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَوْضِعُ اتِّفَاقٍ .
151 -وَالْمُؤَكِّدَةُ لِلْحَثِّ أَوْ الْمَنْعِ تَنْحَلُّ بِأُمُورٍ: الْأَوَّلُ:
الرِّدَّةُ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى - وَهِيَ تَحُلُّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ وَتَعْلِيقِ الْكُفْرِ بِقَصْدِ الْيَمِينِ , وَإِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ , فَإِنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ فِي بَقَاءِ انْعِقَادِ الْيَمِينِ الْإِسْلَامَ , كَمَا يَشْتَرِطُونَهُ فِي أَصْلِ الِانْعِقَادِ , فَالرِّدَّةُ عِنْدَهُمْ تُبْطِلُ الِانْعِقَادَ , سَوَاءٌ أَكَانَتْ قَبْلَ الْحِنْثِ أَمْ بَعْدَهُ , وَلَا يَرْجِعُ الِانْعِقَادُ بِالرُّجُوعِ إلَى الْإِسْلَامِ . الثَّانِي: ذَكَرَ الِاسْتِثْنَاءَ بِالْمَشِيئَةِ بِشَرَائِطِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ . فَمَنْ حَلَفَ وَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ الِاسْتِثْنَاءُ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ , فَإِذَا وَصَلَ بِهَا الِاسْتِثْنَاءَ انْحَلَّتْ , وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ , وَخَالَفَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: لَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ الِاسْتِثْنَاءِ قَبْلَ فَرَاغِ الْيَمِينِ , ثُمَّ وَصَلَ الِاسْتِثْنَاءَ بِهِ , فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مَانِعًا مِنْ انْعِقَادِ الْيَمِينِ . الثَّالِثُ: فَوَاتُ الْمَحَلِّ فِي الْيَمِينِ عَلَى الْإِثْبَاتِ الْمُؤَقَّتِ , نَحْوُ: وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ مَاءَ هَذَا الْكُوزِ الْيَوْمَ , فَإِذَا صَبَّهُ الْحَالِفُ أَوْ غَيْرُهُ انْحَلَّتْ الْيَمِينُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ; لِأَنَّ الْبِرَّ لَا يَجِبُ إلَّا آخِرَ الْيَوْمِ - أَيْ الْوَقْتِ الْمُتَّصِلِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ - وَفِي هَذَا الْوَقْتِ لَا يُمْكِنُهُ الْبِرُّ ; لِحُصُولِ الْفَرَاغِ مِنْ الْمَاءِ قَبْلَهُ , فَلَا يَحْنَثُ , وَبِهَذَا يَعْلَمُ انْحِلَالَ يَمِينِهِ مِنْ حِينِ فَرَاغِ الْكُوزِ . وَغَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ يَرَوْنَ أَنَّ فَوَاتَ الْمَحَلِّ إذَا كَانَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْحَالِفِ وَقَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْبِرِّ يُحَلُّ يَمِينُهُ , كَمَا لَوْ انْصَبَّ الْكُوزُ عَقِبَ الْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ , أَوْ أَخَذَهُ إنْسَانٌ فَشَرِبَهُ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ أَخْذِهِ مِنْهُ . الرَّابِعُ: الْبِرُّ فِي الْيَمِينِ , بِأَنْ يَفْعَلَ كُلَّ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ , أَوْ يَسْتَمِرَّ عَلَى تَرْكِ كُلِّ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ . الْخَامِسُ: الْحِنْثُ , فَإِنَّ الْيَمِينَ إذَا انْعَقَدَتْ , ثُمَّ حَصَلَ الْحِنْثُ بِوُقُوعِ مَا حَلَفَ عَلَى نَفْيِهِ , أَوْ بِالْيَأْسِ مِنْ وُقُوعِ مَا حَلَفَ عَلَى ثُبُوتِهِ , فَهَذَا الْحِنْثُ تَنْحَلُّ بِهِ الْيَمِينُ . السَّادِسُ: الْعَزْمُ عَلَى الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ عَلَى الْإِثْبَاتِ الْمُطْلَقِ , وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ , فَلَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَتَزَوَّجَنَّ , ثُمَّ عَزَمَ عَلَى عَدَمِ الزَّوَاجِ طُولَ حَيَاتِهِ , فَمِنْ حِينِ الْعَزْمِ تَنْحَلُّ الْيَمِينُ , وَيُعْتَبَرُ حَانِثًا , وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ , وَلَوْ رَجَعَ عَنْ عَزْمِهِ لَمْ تَرْجِعْ الْيَمِينُ . السَّابِعُ: الْبَيْنُونَةُ فِي الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ , فَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ , ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ بِخُلْعٍ أَوْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِي طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ , أَوْ بِإِكْمَالِ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا , أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ , ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ لَمْ يَعُدْ التَّعْلِيقُ لِانْحِلَالِهِ بِالْبَيْنُونَةِ .
(1) -الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 2771)