وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ , إلَّا الشَّافِعِيَّ , فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْعَبْدِ , فَإِنَّ لِسَيِّدِهِ قَتْلَهُ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: { أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } . وَلِأَنَّ حَفْصَةَ قَتَلَتْ جَارِيَةً سَحَرَتْهَا . وَلِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى , فَمَلَكَ السَّيِّدُ إقَامَتَهُ عَلَى عَبْدِهِ , كَجَلْدِ الزَّانِي . وَلَنَا أَنَّهُ قَتْلٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى , فَكَانَ إلَى الْإِمَامِ , كَرَجْمِ الزَّانِي , وَكَقَتْلِ الْحُرِّ . وَأَمَّا قَوْلُهُ: { وَأَقِيمُوا الْحُدُودَ } . فَلَا يَتَنَاوَلُ الْقَتْلَ لِلرِّدَّةِ , فَإِنَّهُ قُتِلَ لِكُفْرِهِ , لَا حَدًّا فِي حَقِّهِ . وَأَمَّا خَبَرُ حَفْصَةَ , فَإِنَّ عُثْمَانَ تَغَيَّظَ عَلَيْهَا , وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ . وَأَمَّا الْجَلْدُ فِي الزِّنَى , فَإِنَّهُ تَأْدِيبٌ , وَلِلسَّيِّدِ تَأْدِيبُ عَبْدِهِ , بِخِلَافِ الْقَتْلِ . فَإِنْ قَتَلَهُ غَيْرُ الْإِمَامِ , أَسَاءَ , وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مَحَلٌّ غَيْرُ مَعْصُومٍ , وَسَوَاءٌ قَتَلَهُ قَبْلَ الِاسْتِتَابَةِ أَوْ بَعْدَهَا ; لِذَلِكَ . وَعَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ التَّعْزِيرُ ; لِإِسَاءَتِهِ وَافْتِيَاتِهِ .
وَجُمْلَتُهُ , أَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا قُتِلَ , أَوْ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ , فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ , وَأَرْشِ جِنَايَتِهِ , وَنَفَقَةِ زَوْجَتِهِ وَقَرِيبِهِ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْحُقُوقَ لَا يَجُوزُ تَعْطِيلُهَا , وَأَوْلَى مَا يُوجَدُ مِنْ مَالِهِ , وَمَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ فَهُوَ فَيْءٌ يُجْعَلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ . وَعَنْ أَحْمَدَ , رِوَايَةٌ أُخْرَى , تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَعَنْهُ أَنَّهُ لِقَرَابَتِهِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ . وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَوْفَاةً فِي الْفَرَائِضِ بِمَا أَغْنَى عَنْ ذِكْرِهَا هَاهُنَا .
( 7091 ) فَصْلٌ: وَلَا يُحْكَمُ بِزَوَالِ مِلْكِ الْمُرْتَدِّ بِمُجَرَّدِ رِدَّتِهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . فَعَلَى هَذَا , إنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ , زَالَ مِلْكُهُ بِمَوْتِهِ , وَإِنْ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ , فَمِلْكُهُ بَاقٍ لَهُ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَزُولُ مِلْكُهُ بِرِدَّتِهِ , وَإِنْ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ عَادَ إلَيْهِ تَمْلِيكًا مُسْتَأْنَفًا ; لِأَنَّ عِصْمَةَ نَفْسِهِ وَمَالِهِ إنَّمَا تَثْبُتُ بِإِسْلَامِهِ , فَزَوَالُ إسْلَامِهِ يُزِيلُ عِصْمَتَهُمَا , كَمَا لَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ , وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَلَكُوا إرَاقَةَ دَمِهِ بِرِدَّتِهِ , فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكُوا مَالَهُ بِهَا . وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: مَالُهُ مَوْقُوفٌ ; إنْ أَسْلَمَ تَبَيَّنَّا بَقَاءَ مِلْكِهِ , وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ تَبَيَّنَّا زَوَالَهُ مِنْ حِينِ رِدَّتِهِ . قَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ: هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ . وَعَنْ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ , كَهَذِهِ الثَّلَاثَةِ . وَلَنَا , أَنَّهُ سَبَبٌ يُبِيحُ دَمَهُ , فَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ , كَزِنَى الْمُحْصَنِ , وَالْقَتْلِ لِمَنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا , وَزَوَالُ الْعِصْمَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ زَوَالُ الْمِلْكِ , بِدَلِيلِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ , وَالْقَاتِلِ فِي الْمُحَارَبَةِ , وَأَهْلِ الْحَرْبِ , فَإِنَّ مِلْكَهُمْ , ثَابِتٌ مَعَ عِصْمَتِهِمْ , وَلَوْ لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ , لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ , لَكِنْ يُبَاحُ قَتْلُهُ - لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ اسْتِتَابَةٍ - , وَأَخْذُ مَالِهِ - لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ - , لِأَنَّهُ صَارَ حَرْبِيًّا , حُكْمُهُ حُكْمُ أَهْلِ الْحَرْبِ , وَكَذَلِكَ لَوْ ارْتَدَّ جَمَاعَةٌ وَامْتَنَعُوا فِي دَارِهِمْ عَنْ طَاعَةِ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ , زَالَتْ عِصْمَتُهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ; لِأَنَّ الْكُفَّارَ الْأَصْلِيِّينَ لَا عِصْمَةَ لَهُمْ فِي دَارِهِمْ , فَالْمُرْتَدُّ أَوْلَى .
( 7092 ) فَصْلٌ: وَيُؤْخَذُ مَالُ الْمُرْتَدِّ , فَيُجْعَلُ عِنْدَ ثِقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَإِنْ كَانَ لَهُ إمَاءٌ جُعِلْنَ عِنْدَ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ ; لِأَنَّهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ عَلَيْهِ , فَلَا يُمَكَّنُ مِنْهُنَّ .