فهرس الكتاب

الصفحة 320 من 738

وَالْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله تعالى إنَّمَا تَصِيرُ دَارُهُمْ دَارَ الْحَرْبِ بِثَلَاثِ شَرَائِطَ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ مُتَاخِمَةً أَرْضَ التُّرْكِ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَرْضِ الْحَرْبِ دَارٌ لِلْمُسْلِمِينَ , وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَبْقَى فِيهَا مُسْلِمٌ آمِنٌ بِإِيمَانِهِ , وَلَا ذِمِّيٌّ آمِنٌ بِأَمَانِهِ , وَالثَّالِثُ: أَنْ يُظْهِرُوا أَحْكَامَ الشِّرْكِ فِيهَا , وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إذَا أَظْهَرُوا أَحْكَامَ الشِّرْكِ فِيهَا فَقَدْ صَارَتْ دَارُهُمْ دَارَ حَرْبٍ ; لِأَنَّ الْبُقْعَةَ إنَّمَا تُنْسَبُ إلَيْنَا أَوْ إلَيْهِمْ بِاعْتِبَارِ الْقُوَّةِ وَالْغَلَبَةِ , فَكُلُّ مَوْضِعٍ ظَهَرَ فِيهِ حُكْمُ الشِّرْكِ فَالْقُوَّةُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِلْمُشْرِكِينَ فَكَانَتْ دَارَ حَرْبٍ , وَكُلُّ مَوْضِعٍ كَانَ الظَّاهِرُ فِيهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ فَالْقُوَّةُ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ , وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله تعالى يَعْتَبِرُ تَمَامَ الْقَهْرِ وَالْقُوَّةِ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْبَلْدَةَ كَانَتْ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ مُحْرَزَةً لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ الْإِحْرَازُ إلَّا بِتَمَامِ الْقَهْرِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ , وَذَلِكَ بِاسْتِجْمَاعِ الشَّرَائِطِ الثَّلَاثِ ; لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ مُتَّصِلَةً بِالشِّرْكِ فَأَهْلُهَا مَقْهُورُونَ بِإِحَاطَةِ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ , فَكَذَلِكَ إنْ بَقِيَ فِيهَا مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ آمِنٌ فَذَلِكَ دَلِيلُ عَدَمِ تَمَامِ الْقَهْرِ مِنْهُمْ , وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ أَخَذُوا مَالَ الْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَمْلِكُونَهُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ لِعَدَمِ تَمَامِ الْقَهْرِ , ثُمَّ مَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ آثَارِ الْأَصْلِ فَالْحُكْمُ لَهُ دُونَ الْعَارِضِ كَالْمَحَلَّةِ إذَا بَقِيَ فِيهَا وَاحِدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْخِطَّةِ فَالْحُكْمُ لَهُ دُونَ السُّكَّانِ وَالْمُشْتَرِينَ . وَهَذِهِ الدَّارُ كَانَتْ دَارَ إسْلَامٍ فِي الْأَصْلِ فَإِذَا بَقِيَ فِيهَا مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ فَقَدْ بَقِيَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْأَصْلِ فَيَبْقَى ذَلِكَ الْحُكْمُ , وَهَذَا أَصْلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله تعالى حَتَّى قَالَ: إذَا اشْتَدَّ الْعَصِيرُ , وَلَمْ يَقْذِفْ بِالزَّبَدِ لَا يَصِيرُ خَمْرًا لِبَقَاءِ صِفَةِ السُّكُونِ , وَكَذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ مَوْضِعٍ مُعْتَبَرٌ بِمَا حَوْلَهُ فَإِذَا كَانَ مَا حَوْلَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ كُلُّهُ دَارَ إسْلَامٍ لَا يُعْطَى لَهَا حُكْمُ دَارِ الْحَرْبِ كَمَا لَوْ لَمْ يَظْهَرْ حُكْمُ الشِّرْكِ فِيهَا , وَإِنَّمَا اسْتَوْلَى الْمُرْتَدُّونَ عَلَيْهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ , ثُمَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَمْ تَصِرْ الدَّارُ دَارَ حَرْبٍ , فَإِذَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا قَتَلُوا الرِّجَالَ , وَأَجْبَرُوا النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ عَلَى الْإِسْلَامِ , وَلَمْ يُسَبّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ , وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ صَارَ دَارَ حَرْبٍ فَالنِّسَاءُ , وَالذَّرَارِيُّ , وَالْأَمْوَالُ فَيْءٌ فِيهِ الْخُمُسُ , وَيُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ لِرِدَّتِهِمْ فَلَا يَحِلُّ لِمَنْ وَقَعَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ فِي سَهْمِهِ أَنْ يَطَأَهَا مَا دَامَتْ مُرْتَدَّةً , وَإِنْ كَانَتْ مُتَهَوِّدَةً أَوْ مُتَنَصِّرَةً ; لِأَنَّ الرِّدَّةَ تُنَافِي الْحِلَّ , وَإِنَّمَا يَحِلُّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مَنْ يَحِلُّ بِالنِّكَاحِ , فَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ فَقَدْ بَطَلَ بِالسَّبْيِ ; لِأَنَّهَا صَارَتْ أَمَةً , وَمَا كَانَ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى حُرَّةٍ لَا يَبْقَى بَعْدَ أَنْ تَصِيرَ أَمَةً ; لِأَنَّ بِالرِّقِّ تَتَبَدَّلُ نَفْسُهَا , وَلِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَمْلُوكِ إلَّا شَاغِلًا مَالِيَّةَ رَقَبَتِهِ وَهَذِهِ مَالِيَّةٌ حَادِثَةٌ بِالسَّبْيِ فَتَخْلُصُ لِلسَّابِي ; فَلِهَذَا لَا يَبْقَى الدَّيْنُ عَلَيْهَا .

وَإِذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ , وَذَهَبَا إلَى دَارِ الْحَرْبِ بِوَلَدِهِمَا الصَّغِيرِ , ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمَا الْمُسْلِمُونَ فَالْوَلَدُ فَيْءٌ 0

(1) -المبسوط - (ج 12 / ص 260)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت