فهرس الكتاب

الصفحة 328 من 738

كَسَائِرِ الْعُقُوبَاتِ , وَلَكِنْ لَوْ قَتَلَهُ إنْسَانٌ لَمْ يَغْرَمْ شَيْئًا ; لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ صِحَّةِ رِدَّتِهِ إهْدَارُ دَمِهِ , وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ اسْتِحْقَاقُ قَتْلِهِ كَالْمَرْأَةِ إذَا ارْتَدَّتْ لَا تُقْتَلُ , وَلَوْ قَتَلَهَا قَاتِلٌ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ .

الَّذِي أَسْلَمَ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ إذَا بَلَغَ مُرْتَدًّا فِي الْقِيَاسِ يُقْتَلُ(1)

وَهَذِهِ فُصُولٌ أَحَدُهَا فِي الَّذِي أَسْلَمَ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ إذَا بَلَغَ مُرْتَدًّا فِي الْقِيَاسِ يُقْتَلُ لِارْتِدَادِهِ بَعْدَ إسْلَامِهِ 0

وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يُقْتَلُ , وَلَكِنْ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّهُ مَا كَانَ مُسْلِمًا مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ , وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ , فَيَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِ الْقَتْلِ عَنْهُ , وَإِنْ بَلَغَ مُرْتَدًّا . وَالثَّانِي: إذَا أَسْلَمَ فِي صِغَرِهِ ثُمَّ بَلَغَ مُرْتَدًّا فَهُوَ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ , وَالِاسْتِحْسَانِ لِقِيَامِ الشُّبْهَةِ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ إسْلَامِهِ فِي الصِّغَرِ . وَالثَّالِثُ: إذَا ارْتَدَّ فِي صِغَرِهِ . وَالرَّابِعُ: الْمُكْرَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ إذَا ارْتَدَّ , فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ اسْتِحْسَانًا ; لِأَنَّا حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ , وَهُوَ أَنَّ الْإِسْلَامَ مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ , وَلَكِنَّ قِيَامَ السَّيْفِ عَلَى رَأْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ فَيَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِ الْقَتْلِ عَنْهُ , وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ , وَلَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ

وَإِذَا ارْتَدَّ السَّكْرَانُ فِي الْقِيَاسِ تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ ; لِأَنَّ السَّكْرَانَ كَالصَّاحِي فِي اعْتِبَارِ أَقْوَالِهِ , وَأَفْعَالِهِ حَتَّى لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ بَانَتْ مِنْهُ 0

, وَلَوْ بَاعَ أَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ كَانَ صَحِيحًا مِنْهُ , وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ , وَقَالَ لَا تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ ; لِأَنَّ الرِّدَّةَ تَنْبَنِي عَلَى الِاعْتِقَادِ , وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ السَّكْرَانَ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ لِمَا يَقُولُ , وَلِأَنَّهُ لَا يَنْجُو سَكْرَانُ مِنْ التَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ فِي حَالِ سُكْرِهِ عَادَةً , وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ { أَنَّ وَاحِدًا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم سَكِرَ حِينَ كَانَ الشُّرْبُ حَلَالًا , وَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَلْ أَنْتُمْ إلَّا عَبِيدِي وَعَبِيدُ آبَائِي وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ مِنْهُ كُفْرًا } وَقَرَأَ سَكْرَانُ سُورَةَ { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَتَرَكَ اللاءات فِيهِ فَنَزَلَ فِيهِ قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ } فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِرِدَّتِهِ فِي حَالِ سُكْرِهِ كَمَا لَا يُحْكَمُ بِهِ فِي حَالِ جُنُونِهِ فَلَا تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ .

وَالْمُكْرَهُ عَلَى الرِّدَّةِ فِي الْقِيَاسِ تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ , وَبِهِ أَخَذَ الْحَسَنُ 0

لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ مِنْ سِرِّهِ مَا نَعْلَمُ مِنْ عَلَانِيَتِهِ , وَإِنَّمَا يَنْبَنِي الْحُكْمُ عَلَى مَا نَسْمَعُ مِنْهُ , وَلِهَذَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ إنْ أَسْلَمَ مُكْرَهًا , وَلَا أَثَرَ لِعُذْرِ الْإِكْرَاهِ فِي الْمَنْعِ مِنْ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ , وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ ; لِأَنَّ قِيَامَ السَّيْفِ عَلَى رَأْسِهِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ لِمَا يَقُولُ , وَإِنَّمَا قَصَدَ بِهِ دَفْعَ الشَّرِّ عَنْ نَفْسِهِ , وَالرِّدَّةُ نَنْبَنِي عَلَى الِاعْتِقَادِ , وَبِخِلَافِ الْإِسْلَامِ فَهُنَاكَ بِمُقَابِلَةِ هَذَا الظَّاهِرِ ظَاهِرٌ آخَرُ , وَهُوَ أَنَّ الْإِسْلَامَ مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إنْشَاءٌ سَبَبُهُ التَّكَلُّمُ , وَالْإِكْرَاهُ لَا يُنَافِي الْإِنْشَاءَ , وَهَذَا إخْبَارٌ عَنْ اعْتِقَادِهِ , وَالْإِكْرَاهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَاذِبٌ فِيهِ فَوْزٌ أَنَّهُ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالطَّلَاقِ .

.وَإِذَا طَلَبَ وَرَثَةُ الْمُرْتَدِّ كَسْبَهُ الَّذِي اكْتَسَبَهُ فِي رِدَّتِهِ , وَقَالُوا أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ فَعَلَيْهِمْ الْبَيِّنَةُ فِي ذَلِكَ , وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله تعالى ; لِأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْكَسْبَيْنِ , وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ سَبَبَ حِرْمَانِهِمْ ظَاهِرٌ , وَهُوَ رِدَّتُهُ عِنْدَ اكْتِسَابِهِ فَهُمْ يَدَّعُونَ عَارِضًا مُزِيلًا لِذَلِكَ , وَهُوَ إسْلَامُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُثْبِتُوا ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ .

(1) - المبسوط - (ج 12 / ص 282)

(2) - المبسوط - (ج 12 / ص 283)

(3) - المبسوط - (ج 12 / ص 284)

(4) -المبسوط - (ج 12 / ص 285)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت