كَأَذَاهُمْ . وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا } . إلَى قَوْلِهِ: { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ } . أَيْ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ , أَيْ وَمَا كَانَ سَاحِرًا كَفَرَ بِسِحْرِهِ . وَقَوْلُهُمَا: إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ . أَيْ لَا تَتَعَلَّمْهُ فَتَكْفُرَ بِذَلِكَ , وَقَدْ رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَةَ , أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْهَا , فَجَعَلَتْ تَبْكِي بُكَاءً شَدِيدًا , وَقَالَتْ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ , إنَّ عَجُوزًا ذَهَبَتْ بِي إلَى هَارُوتَ وَمَارُوتَ . فَقُلْت: عَلِّمَانِي السِّحْرَ . فَقَالَا: اتَّقِي اللَّهَ وَلَا تَكْفُرِي , فَإِنَّكِ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكِ . فَقُلْت: عَلِّمَانِي السِّحْرَ . فَقَالَا: اذْهَبِي إلَى ذَلِكَ التَّنُّورِ , فَبُولِي فِيهِ . فَفَعَلْتُ , فَرَأَيْتُ كَأَنَّ فَارِسًا مُقَنَّعًا فِي الْحَدِيدِ خَرَجَ مِنِّي حَتَّى طَارَ , فَغَابَ فِي السَّمَاءِ , فَرَجَعْتُ إلَيْهِمَا , فَأَخْبَرْتُهُمَا , فَقَالَا: ذَلِكَ إيمَانُكِ . فَذَكَرَتْ بَاقِيَ الْقِصَّةِ إلَى أَنْ قَالَتْ: وَاَللَّهِ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَا صَنَعْتُ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا , وَلَا أَصْنَعُهُ أَبَدًا فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَرَأَيْتهَا تَبْكِي بُكَاءً شَدِيدًا , فَطَافَتْ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم - وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ - تَسْأَلُهُمْ , هَلْ لَهَا مِنْ تَوْبَةٍ ؟ فَمَا أَفْتَاهَا أَحَدٌ , إلَّا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لَهَا: إنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ أَبَوَيْكِ حَيًّا , فَبِرِّيهِ , وَأَكْثِرِي مِنْ عَمَلِ الْبِرِّ مَا اسْتَطَعْتِ . وَقَوْلُ عَائِشَةَ قَدْ خَالَفَهَا فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ , وَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه السَّاحِرُ كَافِرٌ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُدَبَّرَةَ تَابَتْ فَسَقَطَ عَنْهَا الْقَتْلُ وَالْكُفْرُ بِتَوْبَتِهَا . وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا سَحَرَتْهَا , بِمَعْنَى أَنَّهَا ذَهَبَتْ إلَى سَاحِرٍ سَحَرَ لَهَا .
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ , وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ , وَابْنِ عُمَرَ , وَحَفْصَةَ , وَجُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , وَجُنْدُبِ بْنِ كَعْبٍ وَقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ , وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ . وَلَمْ يَرَ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ الْقَتْلَ بِمُجَرَّدِ السِّحْرِ . وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ , وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِيمَا تَقَدَّمَ , وَوَجْهُ ذَلِكَ , أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها , بَاعَتْ مُدَبَّرَةً سَحَرَتْهَا , وَلَوْ وَجَبَ قَتْلُهَا لَمَا حَلَّ بَيْعُهَا , وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: { لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ ; كُفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ أَوْ زِنًى بَعْدَ إحْصَانٍ , أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ } . وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ , فَوَجَبَ أَنْ لَا يَحِلَّ دَمُهُ . وَلَنَا , مَا رَوَى جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ , عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ {: حَدُّ السَّاحِرِ , ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ . } قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رَوَاهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ , وَهُوَ ضَعِيفٌ . , وَرَوَى سَعِيدٌ , وَأَبُو دَاوُد فِي"كِتَابَيْهِمَا", عَنْ بَجَالَةَ قَالَ: كُنْت كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ , إذْ جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ . فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ فِي يَوْمٍ , وَهَذَا اُشْتُهِرَ فَلَمْ يُنْكَرْ , فَكَانَ إجْمَاعًا , وَقَتَلَتْ حَفْصَةُ جَارِيَةً لَهَا سَحَرَتْهَا . وَقَتَلَ جُنْدُبُ بْنُ كَعْبٍ سَاحِرًا كَانَ يَسْحَرُ بَيْنَ يَدَيْ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ . وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ فَيُقْتَلُ ; لِلْخَبَرِ الَّذِي رَوَوْهُ .
( 7127 ) فَصْلٌ: وَهَلْ يُسْتَتَابُ السَّاحِرُ ؟