وقال في الكلام على الوزارة وأما حال الجباية والإنفاق والحسبان فلم يكن عنده برتبة، لأن القوم كانوا عربا أميين لا يحسنون الكتابة والحساب فكانوا يستعملون في الحساب أهل الكتاب أو أفرادا من موالى العجم ممن يجيده وكان قليلا فيهم، وأما أشرافهم فلم يكونوا يجيدونه، لأن الأمية كانت صفتهم التى امتازوا بها، وكذا حال المخاطبات وتنفيذ الأمور لم يكن عندهم رتبة خاصة للأمية التى كانت فيهم، والأمانة العامة في كتمان القول وتأديته، ولم تخرج السياسة إلى اختياره لأن الخلافة إنما هى دين ليست من السياسة الكلية في شىء وأيضا فلم تكن الكتابة صناعة فيستجاد للخليفة أحسنها لأن الكل كانوا يعبرون عن مقاصدهم بأبلغ العبارات ولم يبق إلا الخط فكان الخليفة يستنيب في كتابته من عماله من يحسنه .
وقال في الحروب ومذاهب الأمم في ترتيبها فصل ولما ذكرناه من حرب المصاف وراء العساكر وتأكده في قتال الكر والفر صار ملوك المغرب يتخذون طائفة من الإفرنج في جندهم واختصوا بذلك لأن قتال أهل وطنهم كله بالكر والفر، والسلطان يتأكد في حقه ضرب المصارف ليكون ردءا للمقاتلة أمامه فلابد وأن يكون أهل ذلك الصف من قوم متعودين للثبات في الزحف وهم الإفرنج ويرتبون مصافهم المحدق بهم فها هنا على ما فيه من الاستعانة بأهل الكفر .
وإنما استخفوا ذلك للضرورة التى أريناكها من تخوف الإجفال على مصاف السلطان والإفرنج لا يعرفون غير الثبات في ذلك لأن عادتهم في القتال الزحف فكانوا أقوم بذلك من غيرهم، ثم جاء في الأحكام السلطانية لقاضى القضاة ابن الحسن على بن محمد بن حبيب البصرى البغدادى في الكلام على وزارة التنفيذ وهذا الوزير وسط بين الإمام وبين الرعايا والولاة يؤدى عنه ما أمر وينفذ عنه ما ذكر ويمضى ما حكم ويخبر بتقليد الولاة وتجهيز الجيوش ويعرض عليه ما ورد من مهم وتجدد في حدث ملم ليعمل فيه ما يؤمر به، فهو معين في تنفيذ الأمور وليس بوال عليها ولا متقلدا لها، فإن شورك في الرأى كان باسم الوزارة أخص، ثم قال ويجوز أن يكون هذا الوزير من أهل الذمة، وإن لم يجز أن يكون وزير التفويض منهم واستعانة الخلفاء من بنى أمية وبنى العباس بأرباب العلوم والفنون من الملل المختلفة فيما هو من فنونهم مما لا يمكن لصبى يعرف شيئا من تاريخ الأمة إنكاره وقد كانوا يستعينون بهم على أعين الأئمة والعلماء والفقهاء والمحدثين بدون نكير، فقد قامت الأدلة من الكتاب والسنة وعمل السلف على جواز الاستعانة بغير المؤمنين وغير الصالحين على ما فيه خير ومنفعة للمسلمين وأن الذين يعمدون إلى هذه الاستعانة لجمع كلمة المسلمين وتربية أيتامهم وما فيه خير لهم لم يفعلوا إلا ما اقتضته الأسوة الحسنة بالنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأن من كفرهم أو فسقهم فهو بين أحد الأمرين إما كافر أو فاسق .
فعلى دعاة الخير أن يجدوا في دعوتهم وأن يمضوا على طريقتهم، ولا يحزنهم شتم الشاتمين، ولا يغيظهم لوم اللائمين .
فالله كفيل لهم بالنصر إذا اعتصموا بالحق والصبر .
والله أعلم .
أ- سلخ قرنية عين ميت وتركيبها لحى، ب- وكالة واختلاف دين
المفتي
أحمد هريدى .
23 اكتوبر 1966م
المبادئ
1-سلخ قرنية العين من ميت لتركيبها لحى غير جائز شرعا إلا للضرورة التى تكون المصلحة فيها أعظم من الضرر الذى يصيب الميت .
2-اتحاد الدين ليس شرطا في صحة الوكالة في الخصومة عند الحنفية والشافعية .
3-الردة لا تمنع صحة الوكالة عند الحنفية، فلو وكل مسلم مرتدا جاز ذلك عندهم .
4-اختلاف الدارين مانع من صحة الوكالة بالنسبة لغير المسلمين عند الحنفية .
5-كل من صح تصرفه في شئ بنفسه وكان مما تدخله النيابة صح أن يوكل فيه غيره مطلقا عند الحنابلة .
6-توكيل الذمى ذميا على استخلاص دين له على مسلم ممنوع عند المالكية، وإن كان الدين على غير مسلم جاز ذلك .
7-توكيل المسلم ذميا في البيع والشراء وتقتضى الديون ممنوع عند المالكية .
8-مذهب الشافعية أن من صح منه مباشرة الشئ صح توكيل غيره فيه، وأن يوكل هو فيه عن غيره
السؤال
من الشيخ عبدالحليم رئيس المجلس الأعلى لشئون الإسلام بولاية قدح (ماليزيا) بكتاب وزارة الخارجية إدارة العلاقات الثقافية رقم 7936 ث ملف رقم 96/355 اث المقيد برقم 673 سنة 1966 المطلوب به الإفادة عن الحكم الشرعى في الموضوعين الآتيين: 1- سلخ قرنية العين من الميت وتركيبها للكفيف .
2-قيام المحامى المدنى غير المسلم بما يقوم به المحامى الشرعى وتدخله تدخلا مباشرا في الدفاع عن القضايا والأحكام الشرعية
الجواب
عن الموضوع الأول الإنسان الحر بعد موته تجب المحافظة عليه ودفنه وتكريمه وعدم ابتذاله - فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم النهى عن كسر عظم الميت لأنه ككسره حيا - ومعنى هذا الحديث أن للميت حرمة كحرمته حيا، فلا يتعدى عليه بكسر أو شق أو غير ذلك .
وإخراج عين الميت كإخراج عين الحى، ويعتبر اعتداء عليه غير جائز شرعا، إلا إذا دعت إليه ضرورة تكون المصلحة فيها أعظم من الضرر الذى يصيب الميت، وذلك لأن قواعد الدين الإسلامى الحنيف مبنية على رعاية المصالح الراجحة وتحمل الضرر الأخف لجلب مصلحة يكون تفويتها أشد من هذا الضرر، فإذا كان أخذ عين الميت لترقيع قرنية عين المكفوف يحقق مصلحة ترجح مصلحة المحافظة على الميت جاز ذلك شرعا، لأن الضرر الذى يلحق بالحى المضطر لهذا العلاج أشد من الضرر الذى يلحق بالميت الذى تؤخذ عينه بعد وفاته، وليس في هذا ابتذال للميت ولا اعتداء على حرمته المنهى عنه شرعا، لأن النهى إنما يكون إذا كان التعدى لغير مصلحة راجحة أو لغير حاجة ماسة .