وَالْمُرَادُ بِالِامْتِنَاعِ هُوَ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ بِالْعَمَلِ بِمَا يُوجِبُهُ الْحَدِيثُ وَلَا بِمَا يُخَالِفُهُ مِنْ الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ كَمَا إذَا لَمْ يَشْتَغِلْ بِالصَّلَاةِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ وَلَا بِشَيْءٍ آخَرَ حَتَّى مَضَى الْوَقْتُ كَانَ هَذَا امْتِنَاعًا عَنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ لَا عَمَلًا بِخِلَافِهِ وَلَوْ اشْتَغَلَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي وَقْتِ الصَّوْمِ كَانَ هَذَا عَمَلًا بِخِلَافِهِ إلَّا أَنَّ كِلَيْهِمَا فِي التَّحْقِيقِ وَاحِدٌ ; لِأَنَّ التَّرْكَ فِعْلٌ فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِهِ كَالِاشْتِغَالِ بِفِعْلٍ آخَرَ فَيَكُونُ عَمَلًا بِالْخِلَافِ أَيْضًا , وَلِهَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ رحمه الله تَرْكَ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما الْعَمَلَ بِحَدِيثِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الْقَبِيلَيْنِ . وَرَأَيْت فِي الْمُعْتَمَدِ لِأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ حَكَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الرَّاوِيَ لِلْحَدِيثِ الْعَامِّ إذَا خَصَّهُ أَوْ تَأَوَّلَهُ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى تَأْوِيلِهِ وَتَخْصِيصِهِ ; لِأَنَّهُ لِمُشَاهَدَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَعْرَفُ بِمَقَاصِدِهِ , وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ الْمَصِيرُ إلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ أَوْلَى , وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ التَّمَسُّكَ بِظَاهِرِ الْخَبَرِ أَوْلَى مِنْ تَأْوِيلِ الرَّاوِي إذَا كَانَ تَأْوِيلُهُ بِخِلَافِ ظَاهِرِ الْخَبَرِ , وَإِنْ كَانَ تَأْوِيلُهُ أَحَدَ مُحْتَمَلَيْ الظَّاهِرِ حُمِلَتْ الرِّوَايَةُ عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله ; لِأَنَّهُ حَمَلَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما مِنْ حَدِيثِ الِافْتِرَاقِ عَلَى افْتِرَاقِ الْأَبْدَانِ ; لِأَنَّهُ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما , وَقِيلَ إنْ لَمْ يَكُنْ لِمَذْهَبِ الرَّاوِي وَتَأْوِيلِهِ وَجْهٌ إلَّا أَنَّهُ عَلِمَ قَصْدَ النَّبِيِّ عليه السلام إلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ ضَرُورَةً وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى تَأْوِيلِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ بَلْ جَوَازُ أَنْ يَكُونَ صَارَ إلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ لِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ وَجَبَ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ فَإِنْ اقْتَضَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الرَّاوِي وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا , وَكَذَلِكَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ صَارَ إلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ لِنَصٍّ جَلِيٍّ لَا مَسَاغَ لِلِاجْتِهَادِ فِي خِلَافِهِ وَتَأْوِيلِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْمَصِيرُ إلَى تَأْوِيلٍ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالرِّوَايَةِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ التَّأْوِيلِ وَإِنْ كَانَ الْخَبَرُ مُجْمَلًا وَبَيَّنَهُ الرَّاوِي فَإِنَّ بَيَانَهُ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَهُوَ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لَازِمًا مِثْلُ الثَّمَنِيَّةِ جَعَلْنَاهَا عِلَّةً لِلزَّكَاةِ فِي الْحُلِيِّ وَالطَّعْمِ جَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ عِلَّةً لِلرِّبَا , أَوْ وَصْفًا عَارِضًا أَوْ اسْمًا , { كَقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمُسْتَحَاضَةِ إنَّهُ دَمُ عِرْقٍ انْفَجَرَ } , وَهُوَ اسْمُ عَلَمٍ وَانْفَجَرَ صِفَةٌ عَارِضَةٌ غَيْرُ لَازِمَةٍ وَعَلَّلْنَا بِالْكَيْلِ , وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ وَيَكُونُ جَلِيًّا وَخَفِيًّا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا كَقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الَّتِي سَأَلَتْهُ عَنْ الْحَجِّ { أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ } , وَهَذَا حُكْمٌ وَكَقَوْلِنَا فِي الْمُدَبَّرِ إنَّهُ مَمْلُوكٌ تَعَلَّقَ عِتْقُهُ بِمُطْلَقِ مَوْتِ الْمَوْلَى , وَهَذَا حُكْمٌ أَيْضًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَرْدًا وَعَدَدًا كَمَا فِي بَابِ الرِّبَا , أَوْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي النَّصِّ وَهَذَا لَا يَشْكُلُ وَيَجُوزُ فِي غَيْرِهِ إذَا كَانَ ثَابِتًا بِهِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي السَّلَمِ , وَهُوَ مَعْلُولٌ بِإِعْدَامِ الْعَاقِدِ وَلَيْسَ فِي النَّصِّ وَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْآبِقِ مَعْلُولٌ بِالْجَهَالَةِ , أَوْ الْعَجْزِ عَنْ التَّسْلِيمِ وَلَيْسَ فِي النَّصِّ وَعَلَّلَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ بِإِرْقَاقِ جُزْءٍ مِنْهُ وَلَيْسَ فِي النَّصِّ لَكِنَّهُ ثَابِتٌ بِهِ وَإِنَّمَا اسْتَوَتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ إنَّمَا تُعْرَفُ صِحَّتُهَا بِأَثَرِهَا وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْفَصْلَ , وَاتَّفَقُوا أَنَّ كُلَّ أَوْصَافِ النَّصِّ بِجُمْلَتِهَا لَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً .
(1) -كشف الأسرار - (ج 6 / ص 440)