قَوْلُهُ ( وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ) أَيْ مَا جُعِلَ عَلَمًا عَلَى حُكْمِ النَّصِّ فَرْدًا أَيْ وَصْفًا فَرْدًا , وَهُوَ بِلَا خِلَافٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدَدًا مِنْ الْأَوْصَافِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ مِنْ اجْتِمَاعِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ حَتَّى لَوْ كَانَ كُلُّ وَصْفٍ يَعْمَلُ فِي الْحُكْمِ بِانْفِرَادِهِ كَاجْتِمَاعِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَذْيِ وَالرُّعَافِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُسْتَقِلٌّ فِي إثْبَاتِ حُكْمِ الْحَدَثِ وَكَاجْتِمَاعِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ وَالرِّدَّةِ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُسْتَبِدٍّ فِي إيجَابِ الْقَتْلِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ مِمَّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ وَفِيهِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ أَهْلِ الْأُصُولِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ ثُمَّ التَّعْلِيلُ بِعَدَدٍ مِنْ الْأَوْصَافِ جَائِزٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ; لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِهِ عِلِّيَّةُ الْوَصْفِ الْوَاحِدِ ثَبَتَ بِهِ عِلِّيَّةُ الْأَوْصَافِ الْمُتَعَدِّدَةِ إذْ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ الْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ مِنْ الْأَوْصَافِ الْمُتَعَدِّدَةِ عِلَّةً بِمَا يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَى ظَنِّ التَّعْلِيلِ بِهَا مِنْ تَأْثِيرٍ , أَوْ مُنَاسَبَةٍ أَوْ إخَالَةٍ , أَوْ غَيْرِهَا مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ . وَذَهَبَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ مِنْهُمْ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ إلَى أَنَّ التَّعْلِيلَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِوَصْفٍ وَاحِدٍ لَا تَرْكِيبَ فِيهِ ; لِأَنَّ تَرْكِيبَ الْعِلَّةِ لَوْ صَحَّ لَكَانَتْ الْعِلِّيَّةُ صِفَةً زَائِدَةً عَلَى مَجْمُوعِ الْأَوْصَافِ ; لِأَنَّا نَعْقِلُ مَجْمُوعَ الْأَوْصَافِ وَنَجْهَلُ كَوْنَهَا عِلَّةً وَالْمَجْهُولُ غَيْرُ الْمَعْلُومِ بَعْدَمَا ثَبَتَ أَنَّهَا زَائِدَةٌ فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ: حَصَلَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ بِتَمَامِهَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَوْصَافِ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَصْفٍ عِلَّةً لَا أَنْ يَكُونَ الْمَجْمُوعُ عِلَّةً وَهُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ وَأَمَّا أَنْ يُقَالَ حَصَلَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ لِلْمَجْمُوعِ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ إنْ ثَبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَوْصَافِ جُزْءٌ مِنْ تِلْكَ الصِّفَةِ وَهُوَ فَاسِدٌ ; لِأَنَّ انْقِسَامَ الصِّفَةِ الْعَقْلِيَّةِ بِحَيْثُ يَكُونُ لَهَا نِصْفٌ وَثُلُثٌ وَرُبُعٌ مُحَالٌ . وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا امْتِنَاعَ فِي حُصُولِ الصِّفَةِ لِلْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْأَفْرَادِ ; لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ شَيْءٌ وَاحِدٌ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ يَنْتَقِضُ بِالْحُكْمِ عَلَى الْمُتَعَدِّدِ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْحُرُوفِ بِأَنَّهُ خَبَرٌ وَاسْتِخْبَارٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَقْسَامِ الْكَلَامِ ; لِأَنَّ كَوْنَهُ خَبَرًا زَائِدٌ عَلَيْهِ ثُمَّ إمَّا أَنْ يَقُومَ كَوْنُهُ خَبَرًا بِكُلِّ حَرْفٍ أَوْ بِمَجْمُوعِ الْحُرُوفِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ انْقِسَامُ الْمَعْنَى إلَى آخَرِ مَا ذَكَرْتُمْ وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ أَنَّ مَعْنَى كَوْنِ مَجْمُوعِ الْأَوْصَافِ عِلَّةً هُوَ أَنَّ الشَّارِعَ قَضَى بِالْحُكْمِ عِنْدَهُ رِعَايَةً لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْأَوْصَافُ مِنْ الْحِكْمَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ صِفَةً لَهَا فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ صِفَةً زَائِدَةً لِيَلْزَمَ مَا ذَكَرُوهُ وَقَوْلُهُ كَمَا فِي الرِّبَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ عَدَدًا فَإِنَّ حُرْمَةَ الرِّبَا مُتَعَلِّقَةٌ بِوَصْفَيْنِ وَهُمَا الْقَدْرُ وَالْجِنْسُ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالْجَمِيعِ فَإِنَّ حُرْمَةَ رِبَا النَّسِيئَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَصْفٍ وَاحِدٍ , وَهُوَ الْجِنْسُ أَوْ الْقَدْرُ عِنْدَنَا وَحُرْمَةُ رِبَا الْفَضْلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَصْفَيْنِ كَمَا قُلْنَا فَيَكُونُ الرِّبَا مِثَالًا لِلْفَرْدِ وَالْعَدَدِ جَمِيعًا وَالتَّعْلِيلُ بِالْأَوْصَافِ مِثْلُ تَعْلِيلِنَا فِي نَجَاسَةِ سُؤْرِ السِّبَاعِ بِأَنَّ السِّبَاعَ حَيَوَانٌ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ لَا لِكَرَامَتِهِ وَلَا بَلْوَى فِي سُؤْرِهِ فَيَكُونُ سُؤْرُهُ نَجَسًا كَسُؤْرِ الْخِنْزِيرِ وَالْكَلْبِ وَكَتَعْلِيلِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ بِالْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ مِنْ الْخَشَبِ بِأَنَّهُ قَتْلُ عَمْدٌ عُدْوَانٌ مَحْضٌ فَيَكُونُ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ كَالْقَتْلِ بِالسَّيْفِ , ثُمَّ مَنْ جَوَّزَ التَّعْلِيلَ بِالْأَوْصَافِ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى عَدَدٍ إلَّا مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي إسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُزِيدَ الْأَوْصَافَ عَلَى سَبْعَةٍ وَجْهُهُ أَنَّ أَقْصَى مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ مَحَلُّهُ وَمَعْنَى يَقْتَضِيهِ إمَّا مُطْلَقًا , أَوْ مَشْرُوطًا بِوُجُودِ شَرْطٍ , أَوْ عَدَمِ مَانِعٍ وَقَدْ يَتَعَلَّقُ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي بِالْفَاعِلِ فَيُعْتَبَرُ أَهْلِيَّتُهُ وَأَقْصَاهَا الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ , ثُمَّ قَدْ لَا يَشْتَغِلُ بِهِ الشَّخْصُ الْوَاحِدُ بِصِيَغِ الْمُعَارَضَاتِ فَيَحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ فَيَكُونُ مَجْمُوعُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ إيجَابًا وَقَبُولًا صُدُورًا مِنْ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ فِي الْمَحَلِّ مَعَ قِرَانِ الشَّرْطِ وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ وَهِيَ سَبْعَةٌ وَكُلُّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ تَفْصِيلُ