22 -جِنَايَاتُ الْمُرْتَدِّ عَلَى غَيْرِهِ لَا تَخْلُو: إمَّا أَنْ تَكُونَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً , وَكُلٌّ مِنْهَا , إمَّا أَنْ تَقَعَ عَلَى مُسْلِمٍ , أَوْ ذِمِّيٍّ , أَوْ مُسْتَأْمَنٍ , أَوْ مُرْتَدٍّ مِثْلِهِ . وَهَذِهِ الْجِنَايَاتُ إمَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى النَّفْسِ بِالْقَتْلِ , أَوْ عَلَى مَا دُونَهَا , كَالْقَطْعِ وَالْجُرْحِ , أَوْ عَلَى الْعِرْضِ كَالزِّنَى وَالْقَذْفِ , أَوْ عَلَى الْمَالِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ . وَهَذِهِ الْجِنَايَاتُ قَدْ تَقَعُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ , ثُمَّ يَهْرُبُ الْمُرْتَدُّ إلَى بِلَادِ الْحَرْبِ , أَوْ لَا يَهْرُبُ , أَوْ تَقَعُ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ , ثُمَّ يَنْتَقِلُ الْمُرْتَدُّ إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ . وَقَدْ تَقَعُ مِنْهُ هَذِهِ كُلُّهَا فِي إسْلَامِهِ , أَوْ رِدَّتِهِ , وَقَدْ يَسْتَمِرُّ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ يَعُودُ مُسْلِمًا , وَقَدْ تَقَعُ مِنْهُ مُنْفَرِدًا , أَوْ فِي جَمَاعَةٍ , أَوْ أَهْلِ بَلَدٍ . وَمِثْلُ هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْمُرْتَدِّ . جِنَايَةُ الْمُرْتَدِّ عَلَى النَّفْسِ: 23 - إذَا قَتَلَ مُرْتَدٌّ مُسْلِمًا عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ , اتِّفَاقًا . أَمَّا إذَا قَتَلَ الْمُرْتَدُّ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا عَمْدًا فَيُقْتَلُ بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الذِّمِّيِّ , إذْ الْمُرْتَدُّ مُهْدَرُ الدَّمِ وَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ , وَلَا مُنَاكَحَتُهُ , وَلَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ . وَلَا يُقْتَلُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الْقَوْلُ الْآخَرُ لِلشَّافِعِيِّ لِبَقَاءِ عَلَقَةِ الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى رِدَّتِهِ . وَإِذَا قَتَلَ الْمُرْتَدُّ حُرًّا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا خَطَأً وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ , وَلَا تَكُونُ عَلَى عَاقِلَتِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ . وَالدِّيَةُ يُشْتَرَطُ لَهَا عِصْمَةُ الدَّمِ لَا الْإِسْلَامُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ حَلَّ دَمُهُ وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ . وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّ الضَّمَانَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ ; لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ يَأْخُذُ أَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ مِمَّنْ جَنَى فَكَمَا يَأْخُذُ مَالَهُ يَغْرَمُ عَنْهُ . وَهَذَا إنْ لَمْ يَتُبْ . فَإِنْ تَابَ فَقِيلَ: فِي مَالِهِ , وَقِيلَ: عَلَى عَاقِلَتِهِ , وَقِيلَ: عَلَى الْمُسْلِمِينَ , وَقِيلَ: عَلَى مَنْ ارْتَدَّ إلَيْهِمْ .
24 -قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لَا فَرْقَ فِي جِنَايَةِ الْمُرْتَدِّ بَيْنَ مَا إذَا كَانَتْ عَلَى النَّفْسِ أَوْ عَلَى مَا دُونَهَا , وَلَا يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ بِالذِّمِّيِّ , وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ لِزِيَادَتِهِ عَلَى الذِّمِّيِّ بِالْإِسْلَامِ الْحُكْمِيِّ . وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ بِالْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ . وَإِنْ قَطَعَ طَرَفًا مِنْ أَحَدِهِمَا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِيهِ أَيْضًا . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ بِالذِّمِّيِّ وَلَا يُقْطَعُ طَرَفُهُ بِطَرَفِهِ ; لِأَنَّ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِ بَاقِيَةٌ بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْعِبَادَاتِ عَلَيْهِ وَمُطَالَبَتِهِ بِالْإِسْلَامِ . قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلَنَا: أَنَّهُ كَافِرٌ فَيُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ كَالْأَصْلِيِّ . وَفِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ: الْأَظْهَرُ قَتْلُ الْمُرْتَدِّ بِالذِّمِّيِّ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْكُفْرِ . بَلْ الْمُرْتَدُّ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الذِّمِّيِّ لِأَنَّهُ مُهْدَرُ الدَّمِ فَأَوْلَى أَنْ يُقْتَلَ بِالذِّمِّيِّ .
زِنَى الْمُرْتَدِّ:
25 -إذَا زَنَى مُرْتَدٌّ أَوْ مُرْتَدَّةٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا جُلِدَ . وَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا فَفِي زَوَالِ الْإِحْصَانِ بِرِدَّتِهِ خِلَافٌ . أَسَاسُهُ الْخِلَافُ فِي شُرُوطِ الْإِحْصَانِ , هَلْ مِنْ بَيْنِهَا الْإِسْلَامُ أَمْ لَا ؟ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: مَنْ ارْتَدَّ بَطَلَ إحْصَانُهُ , إلَّا أَنْ يَتُوبَ أَوْ يَتَزَوَّجَ ثَانِيَةً . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ: إنَّ الرِّدَّةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْإِحْصَانِ ; لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ مِنْ شُرُوطِ الْإِحْصَانِ .
قَذْفُ الْمُرْتَدِّ غَيْرَهُ:
26 -إذَا قَذَفَ الْمُرْتَدُّ غَيْرَهُ , وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِشُرُوطِهِ , إلَّا أَنْ يَحْصُلَ مِنْهُ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ , حَيْثُ لَا سُلْطَةَ لِلْمُسْلِمِينَ . وَالْقَضِيَّةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى شَرَائِطِ الْقَذْفِ , وَلَيْسَ مِنْ بَيْنِهَا إسْلَامُ الْقَاذِفِ .
( إتْلَافُ الْمُرْتَدِّ الْمَالَ ) :
27 -إذَا اعْتَدَى مُرْتَدٌّ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ - فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ - فَهُوَ ضَامِنٌ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّ الرِّدَّةَ جِنَايَةٌ , وَهِيَ لَا تَمْنَحُ صَاحِبَهَا حَقَّ الِاعْتِدَاءِ .
( السَّرِقَةُ وَقَطْعُ الطَّرِيقِ ) :