فهرس الكتاب

الصفحة 563 من 738

33 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ - بِالنِّسْبَةِ لِحَدِّ الرِّدَّةِ - عَلَى أَنَّ مَنْ ارْتَدَّ وَهُوَ عَاقِلٌ ثُمَّ جُنَّ , فَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ حَالَ جُنُونِهِ , بَلْ يُنْتَظَرُ حَتَّى يُفِيقَ وَيُسْتَتَابَ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَعْقِلُ وَيَعُودُ إلَى الْإِسْلَامِ ; وَلِأَنَّ الْمُرْتَدَّ يُقْتَلُ بِالْإِصْرَارِ عَلَى الرِّدَّةِ , وَالْمَجْنُونُ لَا يُوصَفُ بِالْإِصْرَارِ وَلَا يُمْكِنُ اسْتِتَابَتُهُ . هَذَا وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ مَنْ ارْتَدَّ وَاسْتُتِيبَ فَلَمْ يَتُبْ ثُمَّ جُنَّ , فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ حَالَ جُنُونِهِ , وَلَمْ أَعْثُرْ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْحُكْمِ عِنْدَ غَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ , وَإِنْ كَانَتْ قَوَاعِدُهُمْ لَا تَأْبَاهُ ; لِأَنَّ الْغَايَةَ مِنْ انْتِظَارِ إفَاقَتِهِ هِيَ الِاسْتِتَابَةُ وَقَدْ حَصَلَتْ . أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِبَقِيَّةِ الْحُدُودِ فَهُنَاكَ فَرْقٌ بَيِّنٌ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ , وَبَيْنَ مَا يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ وَمَا يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ . جَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ: مَنْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ حَدَّ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ جُنَّ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ احْتِيَاطًا ; لِأَنَّهُ قَدْ يَرْجِعُ عَنْ الْإِقْرَارِ , فَلَوْ اُسْتُوْفِيَ مِنْهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَجِبْ فِيهِ شَيْءٌ , بِخِلَافِ مَا لَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ أَقَرَّ بِقَذْفٍ ثُمَّ جُنَّ فَإِنَّهُ يُسْتَوْفَى مِنْهُ فِي جُنُونِهِ لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِرُجُوعِهِ . وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِإِقْرَارِهِ ثُمَّ جُنَّ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ حَالَ جُنُونِهِ ; لِأَنَّ رُجُوعَهُ يُقْبَلُ , فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا رَجَعَ . وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ مَنْ ارْتَكَبَ مَا يُوجِبُ حَدًّا ثُمَّ جُنَّ فَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ حَتَّى يُفِيقَ . وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِهِ مِنْ: ( زِنًى , وَقَذْفٌ , وَسَرِقَةٌ . . . إلَخْ ) .

أَسْبَابُ سُقُوطِ الْحَبْسِ تَعْزِيرًا وَقَطْعُ مُدَّتِهِ :(1)

24 -سُقُوطُ الْحَبْسِ يُقْصَدُ بِهِ تَوْقِيفُ تَنْفِيذِهِ بَعْدَ النُّطْقِ بِهِ , سَوَاءٌ أُبْدِئَ بِتَنْفِيذِ بَعْضِهِ أَمْ لَمْ يَبْدَأْ . وَأَسْبَابُ سُقُوطِ الْحَبْسِ هِيَ: أ - ( الْمَوْتُ ) : 25 - يَنْتَهِي الْحَبْسُ بِمَوْتِ الْجَانِي لِانْتِهَاءِ مَوْضِعِ التَّكْلِيفِ , وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَعْوِيقُ الشَّخْصِ وَقَدْ فَاتَ , وَلَا يُتَصَوَّرُ اسْتِيفَاءُ الْحَبْسِ بَعْدَ انْعِدَامِ الْمَحَلِّ . ب - ( الْجُنُونُ ) : 26 - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ ( الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ ) عَلَى أَنَّ الْجُنُونَ الطَّارِئَ بَعْدَ الْجَرِيمَةِ يُوقِفُ تَنْفِيذَ الْحَبْسِ ; لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَيْسَ مُكَلَّفًا وَلَا أَهْلًا لِلْعُقُوبَةِ وَالتَّأْدِيبِ , وَهُوَ لَا يَعْقِلُ الْمَقْصُودَ مِنْ الْحَبْسِ لِفَقْدِهِ الْإِدْرَاكَ . وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْكَافِيِّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ - أَنَّ الْجُنُونَ لَا يُوقِفُ تَنْفِيذَ التَّعْزِيرِ - وَالْحَبْسُ فَرْعٌ مِنْهُ - وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ الْغَايَةَ مِنْهُ التَّأْدِيبُ وَالزَّجْرُ , فَإِذَا تَعَطَّلَ جَانِبُ التَّأْدِيبِ بِالْجُنُونِ فَلَا يَنْبَغِي تَعْطِيلُ جَانِبِ الزَّجْرِ مَنْعًا لِلْغَيْرِ .

ج - ( الْعَفْوُ ) : 27 - إذَا كَانَ الْحَبْسُ لِحَقِّ آدَمِيٍّ سَقَطَ بِعَفْوِهِ . وَضَرَبُوا مِثَالًا لِذَلِكَ بِالْمَدِينِ الْمَحْبُوسِ لِحَقِّ الدَّائِنِ .

د - ( الشَّفَاعَةُ ) : 28 - تَجُوزُ الشَّفَاعَةُ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِالْحَبْسِ تَعْزِيرًا قَبْلَ الْبَدْءِ بِتَنْفِيذِ الْحُكْمِ وَبَعْدَهُ , وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ أَذًى , لِمَا فِيهَا مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ . وَيَجُوزُ لِلْحَاكِمِ رَدُّ الشَّفَاعَةِ إنْ لَمْ تَكُنْ فِيهَا مَصْلَحَةٌ , وَقَدْ رَدَّ عُمَرُ رضي الله عنه الشَّفَاعَةَ فِي مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ حِينَ حَبَسَهُ لِتَزْوِيرِهِ خَاتَمَهُ . وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ: إطْلَاقُ اسْتِحْبَابِ الشَّفَاعَةِ فِي التَّعْزِيرِ فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ إذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ التَّعْزِيرِ كَانَ لِلْإِمَامِ ; لِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْإِصْلَاحِ وَقَدْ يَرَى ذَلِكَ فِي إقَامَتِهِ وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَنْبَغِي اسْتِحْبَابُهَا .

29 -وَكَانَ مِنْ الْيَسِيرِ فِي الزَّمَنِ السَّابِقِ قَبُولُ الشَّفَاعَةِ فِي الْمَحْبُوسِ ; لِأَنَّ الْقَاضِيَ كَانَ يُشْرِفُ إشْرَافًا مُبَاشِرًا عَلَى تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ , وَكَانَ لِلْقُضَاةِ سُجُونٌ تُنْسَبُ إلَيْهِمْ فَيُقَالُ: سِجْنُ الْقَاضِي كَمَا يُقَالُ: سِجْنُ الْوَالِي .

(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 5751)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت