أَثَرُ الرِّدَّةِ عَلَى الْإِحْصَانِ بِنَوْعَيْهِ: (1)
19 -لَوْ ارْتَدَّ الْمُحْصَنُ لَا يَبْطُلُ إحْصَانُهُ عِنْدَ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ الْإِسْلَامَ فِي الْإِحْصَانِ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ , وَيُوَافِقُهُمَا أَبُو يُوسُفَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ . وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا , وَلَوْ كَانَ الْإِسْلَامُ شَرْطًا فِي الْإِحْصَانِ مَا رَجَمَهُمَا . ثُمَّ هَذَا دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"أَوْ زِنًى بَعْدَ إحْصَانٍ"; وَلِأَنَّهُ زِنًى بَعْدَ إحْصَانٍ فَكَانَ حَدُّهُ الرَّجْمَ كَاَلَّذِي لَمْ يَرْتَدَّ . وَنَظَرًا لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَجْعَلُ الْإِسْلَامَ شَرْطًا فِي الْإِحْصَانِ فَالْمُحْصَنُ إذَا ارْتَدَّ يَبْطُلُ إحْصَانُهُ . وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم: { مَنْ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ } . فَكَذَلِكَ الْمُرْتَدُّ لَا يَبْقَى مُحْصَنًا لِفَقْدِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الْإِحْصَانِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ . وَبِهَذَا أَخَذَ مَالِكٌ , وَذَهَبَ إلَى أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ حُكْمُ الْإِحْصَانِ سَوَاءٌ فِي إحْصَانِ الرَّجْمِ أَوْ الْقَذْفِ , ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ حُكْمُ الْإِحْصَانِ , فَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا إلَّا بِإِحْصَانٍ مُسْتَأْنَفٍ . وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك } وَهَذَا قَدْ أَشْرَكَ , فَوَجَبَ أَنْ يَحْبَطَ كُلُّ عَمَلٍ كَانَ عَمِلَهُ .
إرْثُ الْمُرْتَدِّ: (2)
(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 584)
(2) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 7795)
19 -لَا خِلَافَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ فِي أَنَّ الْمُرْتَدَّ - وَهُوَ مَنْ تَرَكَ الْإِسْلَامَ بِإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ - لَا يَرِثُ أَحَدًا مِمَّنْ يَجْمَعُهُ وَإِيَّاهُمْ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الْمِيرَاثِ , لَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَلَا مِنْ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ , أَوْ أَيِّ دِينٍ آخَرَ خِلَافُهُ , لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ , وَلِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ . وَكَذَلِكَ الْمُرْتَدَّةُ لَا تَرِثُ أَحَدًا , لِأَنَّ حُكْمَ الْإِسْلَامِ فِي الْمُرْتَدِّ إنْ كَانَ رَجُلًا هُوَ أَنْ يَتُوبَ وَيَرْجِعَ إلَى الْإِسْلَامِ أَوْ يُقْتَلَ إنْ أَصَرَّ عَلَى رِدَّتِهِ , وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً فَإِنَّهَا تُحْبَسُ حَتَّى تَتُوبَ أَوْ يُدْرِكَهَا الْمَوْتُ , وَعَلَى ذَلِكَ فَلَا مَعْنَى مُطْلَقًا لَأَنْ يُقَالَ بِأَنَّهُ يَرِثُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ . أَمَّا كَوْنُهُ يُورَثُ فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ , وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - قَالَ الْقَاضِي: هِيَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ - أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرُهُمْ مِمَّنْ انْتَقَلَ إلَى دِينِهِمْ بَلْ مَالُهُ كُلُّهُ - إنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ - يَكُونُ فَيْئًا وَحَقًّا لِبَيْتِ الْمَالِ . وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ , وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ , وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ إلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ , وَعَلِيٍّ , وَابْنِ مَسْعُودٍ , وَابْنِ الْمُسَيِّبِ , وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ , وَالْحَسَنِ , وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالشَّعْبِيِّ , وَالثَّوْرِيِّ , وَالْأَوْزَاعِيِّ , وَابْنِ شُبْرُمَةَ , وَاسْتَدَلَّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِفِعْلِ الْخَلِيفَتَيْنِ الرَّاشِدَيْنِ أَبِي بَكْرٍ , وَعَلِيٍّ , وَلِأَنَّ رِدَّتَهُ يَنْتَقِلُ بِهَا مَالُهُ فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا لَوْ انْتَقَلَ بِالْمَوْتِ . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ , فَالْمُرْتَدَّةُ يَرِثُهَا أَقَارِبُهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَيَرِثُونَ كُلَّ مَالِهَا , سَوَاءٌ مَا اكْتَسَبَتْهُ حَالَ إسْلَامِهَا أَوْ حَالَ رِدَّتِهَا . أَمَّا الْمُرْتَدُّ فَإِنَّ وَرَثَتَهُ الْمُسْلِمِينَ يَرِثُونَ مِنْهُ مَا اكْتَسَبَهُ فِي زَمَانِ إسْلَامِهِ . وَلَا يَرِثُونَ مَا اكْتَسَبَهُ فِي زَمَانِ رِدَّتِهِ . وَيَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ لَكِنْ هَلْ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ كَانُوا مَوْجُودِينَ وَقْتَ رِدَّتِهِ أَوْ وَقْتَ مَوْتِهِ أَوْ لَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ ؟ أَوْ مَنْ كَانُوا مَوْجُودِينَ وَقْتَ رِدَّتِهِ وَوَقْتَ مَوْتِهِ ؟ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ . فَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ أَنَّ الْوَارِثَ لِلْمُرْتَدِّ مَنْ كَانَ وَارِثًا لَهُ وَقْتَ رِدَّتِهِ وَبَقِيَ إلَى مَوْتِ الْمُرْتَدِّ , أَمَّا مَنْ حَدَثَتْ لَهُ صِفَةُ الْوِرَاثَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَرِثُهُ , فَلَوْ أَسْلَمَ بَعْضُ قَرَابَتِهِ بَعْدَ رِدَّتِهِ أَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ عُلُوقٍ حَادِثٍ بَعْدَ رِدَّتِهِ , فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ , لِأَنَّ سَبَبَ التَّوْرِيثِ هُنَا الرِّدَّةُ , فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ ذَلِكَ لَمْ يَنْعَقِدْ لَهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ , وَتَمَامُ الِاسْتِحْقَاقِ بِالْمَوْتِ , فَيُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْوَارِثِ إلَى حِينِ تَمَامِ السَّبَبِ . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ وُجُودُ الْوَارِثِ وَقْتَ الرِّدَّةِ , وَلَا يَبْطُلُ اسْتِحْقَاقُهُ بِمَوْتِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُرْتَدِّ , لِأَنَّ الرِّدَّةَ فِي حُكْمِ التَّوْرِيثِ كَالْمَوْتِ , وَمَنْ مَاتَ مِنْ الْوَرَثَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُورَثِ قَبْلَ قِسْمَةِ مِيرَاثِهِ لَا يَبْطُلُ اسْتِحْقَاقُهُ وَيَحِلُّ وَارِثُهُ مَحَلَّهُ . وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ , وَهُوَ الْأَصَحُّ , أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَنْ يَكُونُ وَارِثًا لَهُ حِينَ مَاتَ أَوْ قُتِلَ , سَوَاءٌ أَكَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الرِّدَّةِ أَمْ حَدَثَ بَعْدَهُ , لِأَنَّ الْحَادِثَ بَعْدَ انْعِقَادِ السَّبَبِ قَبْلَ تَمَامِهِ يُعْتَبَرُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّبَبِ , مِثْلُ الزِّيَادَةِ الَّتِي تَحْدُثُ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ ; إذْ تُجْعَلُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ فَتَكُونُ مَعْقُودًا عَلَيْهَا بِالْقَبْضِ , وَيَكُونُ لَهَا حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ , فَكَذَلِكَ الْأَمْرُ هُنَا . وَاعْتَبَرَ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ إلْحَاقَ الْمُرْتَدِّ بِدَارِ الْحَرْبِ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ , فَتُقْسَمُ تَرِكَتُهُ مِنْ حِينِ اللَّحَاقِ . وَاعْتَبَرَ الْإِمَامُ أَبُو يُوسُفَ مَنْ يَكُونُ وَارِثًا لَهُ حِينَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِلَحَاقِهِ , وَتَرِثُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ إنْ مَاتَ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ عَلَى رَأْيِ الصَّاحِبَيْنِ , لِأَنَّ النِّكَاحَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُرْتَدِّ وَإِنْ ارْتَفَعَ بِالرِّدَّةِ لَكِنَّهُ فَارٌّ عَنْ مِيرَاثِهَا