لم يتب في الحال ولا يؤجل قال ابن الهمام قول أصحابنا جميعا إن المرتد يستتاب أبدا وأما ما ذكره الكرخي فروى في النوادر وذلك لإطلاق قوله فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم التوبة وعن ابن عمر وعلي لا تقبل توبة من كرر ردته كالزنديق وهو قول مالك وأحمد والليث لقوله تعالى إن الذين آمنوا ثم كفروا البقرة الآية قلنا رتب عدم المغفرة على شرط قوله ثم ازدادوا كفرا البقرة وفي الدراية قال في الزنديق لنا روايتان في رواية لا تقبل توبته كقول مالك وأحمد وفي رواية تقبل كقول الشافعي وهذا في حق أحكام الدنيا أما فيما بينه وبين الله جل ذكره إذا صدق قبله سبحانه وتعالى بلا خلاف وأما المرتدة فلا تقتل ولكن تحبس أبدا حتى تسلم أو تموت وتضرب خمسة وسبعين سوطا واختاره قاضيخان للفتوى وعند الأئمة الثلاثة تقتل المرتدة لما روينا من قوله عليه الصلاة والسلام من بدل دينه فاقتلوه وهو حديث في صحيح البخاري وغيره ولنا أن النبي نهى عن قتل النساء والصبيان كما في الصحيحين وهذا مطلق يعم الكافر أصليا وعارضيا فكان مخصصا لعموم ما رواه بعد أن عمومه مخصوص بمن بدل من الكفر إلى الإسلام نعم لو كانت المرتدة ذات رأي وتبع تقتل لا لردتها بل لأنها حينئذ تسعى في الأرض بالفساد وقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة عن عاصم بن أبي النجود عن أبي رزين عن ابن عباس قال لا تقتل النساء إذا هن ارتددن عن الإسلام ولكن يحبسن ويدعين إلى الإسلام ويجبرن عليه وأما ما روى الدارقطني عن جابر أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام فأمر النبي أن يعرض عليها الإسلام فإن رجعت وإلا قتلت فضعف بعمر بن بكار ومعارض بآخر مثله وأخرج الطبراني بسند حسن عن معاذ بن جبل أن رسول الله قال له حين بعثه إلى اليمن أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فإن تاب فاقبل منه وإن لم يتب فاضرب عنقه وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن تابت فاقبل منها وإن أبت فاستتبها وأما ما روي عن ابن معين أنه قال كان الثوري يعيب على أبي حنيفة حديثا كان يرويه عن عاصم عن أبي رزين لم يروه غير أبي حنيفة عن عاصم عن أبي رزين فمدفوع بأنه أخرجه الدارقطني عن أبي مالك النخعي عن عاصم به فزال انفراد أبي حنيفة الذي ادعاه الثوري وأخرج الدارقطني عن علي المرتدة تستتاب ولا تقتل وضعف بخلاس وفي شرح مسلم للنووي اختلف أصحابنا في قبول توبة الزنديق وهو الذي ينكر الشرع فذكروا فيه خمسة أوجه أصحها والأصوب منها قبولها مطلقا للأحاديث الصحيحة المطلقة والثاني لا يقبل ويتحتم قتله لكنه إن صدق في توبته نفعه ذلك في الدار الآخرة فكان من أهل الجنة والثالث إن تاب مرة واحدة قبلت توبته فإن تكرر منه ذلك لم تقبل والرابع إن أسلم ابتداء من غير طلب قبل منه وإن كان تحت السيف فلا والخامس إن كان داعيا إى الضلال لم يقبل منه وإلا قبل منه والله تعالى أعلم
149 -باب لا يعذب بعذاب الله
120 - [3017] - حدثنا علي بن عبد الله: حدثنا سفيان، عن أيوب، عن عكرمة: أن عليا (1) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حرق قومًا، فبلغ ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: « لا تعذبوا بعذاب الله » ، ولقتلتهم كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « من بدل دينه فاقتلوه » .
(2) وفي رواية:"أتي علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لنهي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. « لا تعذبوا بعذاب الله » ؛ ولقتلتهم؛ لقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « من بدل دينه فاقتلوه » ."
شرح غريب الحديث:
*"الزنديق": المشهور على ألسنة الناس أن الزنديق هو الذي لا يتمسك بشريعة، ويقول بدوام الدهر، والعرب تعبر عن هذا بقولهم: ملحد: أي طاعن في الأديان (4) وقيل: الزنديق: من الثنوية، أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان .
(1) تقدمت ترجمته في الحديث رقم 78.
(2) [الحديث 3017] طرفه في: كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب حكم المرتد والمرتدة، 8 / 64، برقم 6922.
(3) الطرف رقم 6922.
(4) المصباح المنير، للفيومي، كتاب الزاي، مادة: «الزنديق» 1 / 256.
(1) وقيل: الزنديق: هو كل من ليس على ملة من الملل المعروفة، ثم استعمل في كل معطل، وفي من أظهر الإسلام وأسر غيره .
(2) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"الزنديق في عرف الفقهاء: هو المنافق الذي كان على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره، سواء أبطن دينًا من الأديان: كدين اليهود والنصارى، أو غيرهم، أو كان معطلًا جاحدًا للصانع والمعاد، والأعمال الصالحة".
الدراسة الدعوية للحديث:
في هذا ا لحديث دروس وفوائد دعوية، منها: 1- من موضوعات الدعوة: التحذير من التعذيب بعذاب الله عَزَّ وجَلَّ .
2 -أهمية ذكر الدليل عند الفتوى لرفع الإلباس .
3 -من أصناف المدعوين: الزنادقة الملحدون .
4 -من وظائف الإمام المسلم: قتل المرتدين بعد استتابتهم .
5 -من أساليب الدعوة: الترهيب .
والحديث عن هذه الدروس والفوائد الدعوية على النحو الآتي:
أولًا: من موضوعات الدعوة: التحذير من التعذيب بعذاب الله عَزَّ وجَلَّ:
(1) القاموس المحيط، للفيروز آبادي، فصل الزاي، باب القاف، ص 1151.
(2) مشارق الأنوار للقاضي عياض، حرف الزاي مع النون، 1 / 311.
(3) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، 7 / 471.
(1) - فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري - (ج 3 / ص 55)