إن هذا الحديث فيه دلالة واضحة على أن التحذير من التعذيب بعذاب الله من موضوعات الدعوة التي ينبغي للداعية أن يحذر الناس من فعلها؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « لا تعذبوا بعذاب الله » وهذا يعم تعذيب الإنسان والحيوان، أما ما فعله علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فلأنه لم يبلغه نهي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن التعذيب بالنار؛ قال الكرماني رحمه الله:"كان ذلك من علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بالرأي والاجتهاد" (1) والمجتهد المصيب له أجران، وغيره له أجر على اجتهاده .
(2) ثانيًا: أهمية ذكر الدليل عند الفتوى لرفع الإلباس:
إن من الأمور المهمة للداعية أن يذكر الدليل على ما يقول أو يفتي به؛ لأن الدليل يرفع الإلباس، ويقوي اليقين، ويزيل الشك؛ ولهذا قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في هذا الحديث: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: « لا تعذبوا بعذاب الله » ولقتلتهم كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « من بدل دينه فاقتلوه » .
وهذا يبين أهمية ذكر الدليل والعناية به .
(3) ثالثًا: من أصناف المدعوين: الزنادقة الملحدون:
(1) شرح الكرماني على صحيح البخاري، 13 / 27.
(2) انظر: الحديث رقم 94، الدرس الثاني.
(3) انظر: حديث رقم 94، الدرس الثامن.
ظهر في هذا الحديث أن علي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حرق الزنادقة، فدل ذلك على أنهم من أصناف المدعوين الذين يدعون إلى الله عَزَّ وجَلَّ .
فينبغي للداعية أن يسلك معهم أربعة مسالك: 1- بيان الأدلة الفطرية على وجود الله عَزَّ وجَلَّ وربوبيته؛ لأن الفطرة: الخلقة التي خلق عليها كل موجود أول خلقه (1) والخلقة التي خلق عليها المولود في بطن أمه، والدين (2) قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه أو يمجسانه » . (3) واستدل أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بعد سياقه للحديث بقوله تعالى: { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } . (4)
(1) انظر: المعجم الوسيط، لمجمع اللغة العربية، مادة: «فطر» 2 / 694.
(2) القاموس المحيط للفيروز آبادي؛ فصل الفاء، باب الراء، ص 587.
(3) متفق عليه من حديث أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؛ وهل يعرض على الصبي الإسلام؛ 2 / 119 برقم 1358، ومسلم، في كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة: حكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين، 4 / 2047 برقم 2658 .
(4) سورة الروم, الآية: 30 .
فينبغي للداعية أن يوضح للملحدين أن كل مولود يولد على نوع من الجبلة والطبع المتهيئ لقبول الدين فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها، وإنما يعدل عنها من يعدل لآفة من آفات البشر والتقليد، وكل مولود يولد على معرفة الله والإقرار به، فلا تجد أحدًا إلا وهو يقر بأن له صانعًا، وإن سماه بغير اسمه، أو عبد معه غيره (1) وإذا نظر العاقل ورجع إلى نفسه وعقله أدنى رجوع عرف افتقاره إلى الخالق عَزَّ وجَلَّ: في تكوينه، وبقائه، وتقلبه في أحواله (2) وإذا نظر إلى الخلائق علم فقرهم كلهم إلى الخالق في كل شيء: فقراء إليه في الخلق والإيجاد، وفي البقاء والرزق والإمداد، وفقراء إليه في جلب المنافع ودفع المضار، فانظر إلى حالة الناس إذا كربتهم الشدائد ووقعوا في المهالك، وأشرفوا على الأخطار، أو شاهدوا شيئًا من الحوادث المتجددة: كالصواعق أو الرعد، والبرق والزلازل، والبراكين المتفجرة الثائرة، والريح الشديدة، وانهمار الأمطار الغزيرة، واضطراب أمواج البحار، وفيضانات الأنهار؛ فإنهم إذا حصلت هذه المشاهد العظيمة يلجئون إلى الله، وترتفع أصواتهم بالدعاء، وقلوبهم تنظر إلى إغاثة الخالق عَزَّ وجَلَّ، ولو لم يكن إلا خلق
(1) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، 3 / 457، وفتاوى ابن تيمية، 4 / 245، ودرء تعارض العقل والنقل له، 9 / 375، وفتح الباري لابن حجر، 3 / 248،.
(2) انظر: كتاب الداعي إلى الإسلام، لعبد الرحمن الأنباري ص211، ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، 3 / 113.
الإنسان؛ فإنه من أعظم الآيات، فكل يعلم أنه لم يحدث نفسه، ولا أبواه أحدثاه، ولا أحد من البشر أحدثه، ويعلم أنه لا بد له من خالق خلقه، وأن هذا الخالق موجود، حي، عليم، قدير، سميع، بصير، حكيم، حفيظ (1) قال الله عَزَّ وجَلَّ: { وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ } . (2)
2 -بيان البراهين والأدلة العقلية؛ فإن هذه الأدلة لها التأثير البليغ في دعوة هؤلاء إلى الله عَزَّ وجَلَّ، فيقال لهؤلاء الذين ينكرون وجود الله عَزَّ وجَلَّ: الأمور الممكن تقسيمها في العقل ثلاثة لا رابع لها: (أ) إما أن توجد هذه المخلوقات بنفسها صدفة من غير محدث ولا خالق خلقها، فهذا محال ممتنع تجزم العقول ببطلانه ضرورة ويعلم يقينًا أن من ظن ذلك فهو إلى الجنون أقرب منه إلى العقل؛ لأن كل من له عقل يعرف أنه لا يمكن أن يوجد شيء من غير موجد ولا محدث، فلا بد لكل حادث من محدث ولا سبيل إلى إنكار ذلك؛ فإن وجود الشيء من غير موجد محال وباطل، بالمشاهدة والحس والفطرة السليمة .
(1) انظر: درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية 3 / 122، 129، 131، 137، 8 / 487 والرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة للسعدي، ص 251 - 252، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي، 2 / 237.
(2) سورة الذاريات, الآية: 21 .