(ب) وإما أن تكون هذه المخلوقات الباهرة هي المحدثة الخالقة لنفسها، فهذا أيضًا محال ممتنع بضرورة العقل، وكل عاقل يجزم أن الشيء لا يحدث نفسه ولا يخلقها؛ لأنه قبل وجوده معدوم فكيف يكون خالقا؟! فإذا بطل هذان القسمان عقلًا وفطرة، وبان استحالتهما تعين القسم الثالث: (ج) وهو أن هذه المخلوقات بأجمعها علويها وسفليها، وهذه الحوادث لا بد لها من خالق ينتهي إليه الخلق، والملك، والتدبير، وهو الله العظيم الخالق لكل شيء المتصرف في كل شيء، المدبر للأمور كلها (1) ؛ ولهذا الدليل العقلي والبرهان القطعي قال الله عَزَّ وجَلَّ: { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ } { أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ } { أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ } (2) .
وهذا يوضح أن العدم لا يخلق شيئا، والطبيعة لا تملك قدرة، والصدفة العمياء لا توجد حياة .
(1) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم 1 / 66، ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، 3 / 113، والرياض الناضرة للسعدي ص 247، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي، 7 / 195، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطي، 4 / 368.
(2) سورة الطور, الآيات: 35-37 .
3 -ذكر الأدلة الحسية المشاهدة التي تدل على وجود الله، وربوبيته، وأنه الخالق لكل شيء المستحق للعبادة، وهذه الأدلة على نوعين: (أ) النوع الأول: إجابة الله عَزَّ وجَلَّ للدعوات في جميع الأوقات، فلا يحصي الخلق ما يعطيه الله للسائلين وما يجيب به أدعية الداعين، ويرفع به كرب المكروبين فتحصل المطالب الكثيرة بأسباب دعاء بعض العباد لربهم، والطمع في فضله والرجاء لرحمته، وهذا برهان مشاهد محسوس، لا ينكره إلا مكابر (1) قال الله عَزَّ وجَلَّ: { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ } (2) .
(1) انظر: الرياض الناضرة للسعدي ص 253.
(2) سورة النمل, الآية: 62 .
(ب) - النوع الثاني: معجزات الأنبياء وهي آيات يشاهدها الناس أو يسمعونها وهي من أعظم البراهين القاطعة على وجود مرسلهم؛ لأنها أمور خارجة عن نطاق البشر يجريها الله عَزَّ وجَلَّ تأييدًا لرسله ونصرًا لهم عليهم الصلاة والسلام (1) ومن ذلك قوله عْزَّ وجْلّ: { فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ } (2) إلى غير ذلك من الآيات العظيمة. (3) 4 - ذكر الأدلة الشرعية: وهي طريق الهداية الكاملة، وهي ما جاء عن الله عَزَّ وجَلَّ وعن رسله عليهم الصلاة والسلام، وهي تجمع بين الأدلة العقلية والنقلية، فالكتب السماوية كلها تنطق بأن الله الخالق لكل شيء المستحق للعبادة، وما جاءت به من مصالح العباد دليل على أنها من رب حكيم عليم بمصالح خلقه، وما جاءت به من الأخبار الكونية التي شهد الواقع بصدقها دليل على أنها من رب قادر على إيجاد ما أخبر به .
(4) رابعًا: من وظائف الإمام المسلم: قتل المرتدين بعد استتابتهم:
(1) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسح لابن تيمية 6 / 361.
(2) سورة الشعراء, الآية: 63
(3) انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية 6 / 55- 481.
(4) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، 1 / 172- 180، 7 / 39، ومجموع الفتاوى له، 6 / 71، وشرح أصول الإيمان لمحمد بن صالح العثيمين ص 17.
لا ريب أن من الوظائف العظيمة والأمور المهمة قتل إمام المسلمين للمرتدين عن دين الإسلام بعد استتابتهم وامتناعهم عن الرجوع إلى دين الإسلام؛ ولهذا قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا الحديث: « من بدل دينه فاقتلوه » وقد بين الله عَزَّ وجَلَّ عظم جريمة المرتدين فقال: { وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } (1) .
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله:"وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتدين" (2) فإذا كان المرتد عن دين الإسلام بالغًا، عاقلًا،، دعاه الإمام أو نائبه إلى الإسلام ثلاثة أيام فإن رجع وإلا قتل .
(3) خامسًا: من أساليب الدعوة: الترهيب:
دل هذا الحديث على أسلوب الترهيب؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « من بدل دينه فاقتلوه » ؛ فإن فيه الترهيب من الردة؛ لأن من ارتد عن الإسلام قتل، وأسأل الله العفو والعافية لي ولجميع المسلمين .
(1) سورة البقرة, الآية: 217 .
(2) المغني، 264 / 12.
(3) انظر: عارضة الأحوذي بشرح سنن الترمذي لابن العربي 3 / 424، والمغني لابن قدامة، 12 / 264.
(4) انظر: الحديث رقم 7، الدرس الثالث عشر.