قال الموّاق: وهذا كله فيمن تحقّق كونه من الملائكة والنّبيّين كجبريل وملك الموت والزّبانية ورضوان ومنكر ونكير , فأمّا من لم تثبت الأخبار بتعيينه ولا وقع الإجماع على كونه من الملائكة أو الأنبياء , كهاروت وماروت , ولقمان وذي القرنين ومريم وأمثالهم فليس الحكم فيهم ما ذكرنا إذ لم تثبت لهم تلك الحرمة , لكن يؤدّب من تنقّصهم .
وأمّا إنكار كونهم من الملائكة أو النّبيّين فإن كان المتكلّم من أهل العلم فلا حرج , وإن كان من عوامّ النّاس زجر عن الخوض في مثل هذا , وقد كره السّلف الكلام في مثل هذا ممّا ليس تحته عمل . ( ر: ردّة ف / 16 - 17 , 35 ) .
2 -من معاني المرتدّ في اللغة الرّاجع عن الشّيء ، والرّدّة الرجوع عن الشّيء إلى غيره. والمرتد شرعًا: هو الرّاجع عن دين الإسلام .
والعلاقة بين المنتقل والمرتدّ أنّ كلًا منهما خرج عن دينه ، إلّا أنّ المرتدّ خرج من دين الحقّ إلى الباطل ، والمنتقل خرج من الباطل إلى الباطل .
الأحكام المتعلّقة بالمنتقل:
الدّين الّذي يُقَرّ عليه المنتقل:
3 -اختلف الفقهاء في الدّين الّذي يقر عليه المنتقل إلى عدّة آراء:
ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه تقبل الجزية من كتابي ومجوسي ، ووثني عجمي .
كما ذهبوا إلى أنّه إذا انتقل واحد منهم من دينه إلى دين آخر غير الإسلام ، فإنّه لا يجبر على العود للدّين الّذي كان عليه ، لأنّ الكفر كلّه ملّة واحدة .
وحكى القاضي أبو بكر المالكي روايةً: أنّ المنتقل يقتل لخروجه عن العهد الّذي انعقد له إلّا أن يسلم .
وذهب الشّافعيّة في الأظهر والحنابلة في إحدى الرّوايتين - اقتصر عليها البهوتيّ - إلى أنّه إذا انتقل كتابيّ إلى دين آخر من أهل الكتاب كاليهوديّ يتنصّر أو النّصرانيّ يتهوّد لم يقرّ بالجزية لقوله تعالى: { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ } ، وقد أحدث دينًا باطلًا بعد اعترافه ببطلانه فلا يقر عليه .
قال الخطيب من الشّافعيّة: محل عدم قبول غير الإسلام فيما بعد عقد الجزية كما بحثه الزّركشي ، أمّا لو تهوّد نصرانيّ بدار الحرب ثمّ جاءنا وقبل الجزية فإنّه يقر لمصلحة قبولها.
ومقابل الأظهر عند الشّافعيّة والرّواية الثّانية للحنابلة - نصّ عليه أحمد وهو ظاهر كلام الخرقيّ واختيار الخلّال - أنّه يقر على الدّين الّذي انتقل إليه لأنّه لم يخرج عن دين أهل الكتاب ، ولتساويهما في التّقرير بالجزية وكل منهما خلاف الحقّ .
وفي قول عند الشّافعيّة: يقبل منه الإسلام أو دينه الأوّل لأنّه كان مقرًا عليه .
وصرّح الحنابلة والشّافعيّة بأنّه إذا انتقل الكتابي إلى غير دين أهل الكتاب كما لو توثّن يهوديّ أو نصرانيّ لم يقرّ بالجزية قطعًا .
وفيما يقبل منه قولان عند الشّافعيّة: أظهرهما الإسلام . والثّاني: هو أو دينه الأوّل . وانفرد المحلّي - في شرح المنهاج - بإضافة قول ثالث في هذه المسألة وهو أنّه يقر على مساويه .
ونصّ الشّافعيّة على أنّه لو تهوّد وثنيّ أو تنصّر لم يقرّ بالجزية ويتعيّن الإسلام في حقّه لانتقاله عمّا لا يقر عليه إلى باطل والباطل لا يفيد الإقرار .
وقال الحنابلة: إذا انتقل مجوسيّ إلى دين لا يقر أهله عليه لم يقرّ كأهل ذلك الدّين . وإنّ انتقل إلى دين أهل الكتاب ، خرج فيه الرّوايتان:
إحداهما: لا يقر .
والثّانية: يقر عليه
نكاح المنتقل:
اختلف الفقهاء في حكم نكاح اليهوديّة إذا تنصّرت والنصرانية إذا تهوّدت والمجوسيّة إذا تهوّدت أو تنصّرت .
وتوضيح ذلك فيما يلي:
أ - نكاح المسلم للمنتقلة:
4 -اختلف الفقهاء في حكم نكاح المسلم للمنتقلة:
فذهب الجمهور إلى أنّه يجوز للمسلم نكاح المنتقلة إلى اليهوديّة أو النّصرانيّة دون المجوسيّة ، لأنّ الكفر كلّه ملّة واحدة ، ولأنّ المنتقلة تقر على ما انتقلت إليه ، ولعموم قوله تعالى: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ } .
وذهب الشّافعيّة في الأصحّ والحنابلة إلى أنّه لا يجوز للمسلم نكاح المنتقلة من اليهوديّة إلى النّصرانيّة أو العكس وإن كانت منكوحة مسلم فإنَّ تهودها أو تنصرها كردّة مسلمة تحته فتنجّز الفرقة في الحال ولا مهر لها لأنّ الفسخ من قبلها وذلك إذا كان قبل الدخول ، وإن كان بعد الدخول وقف نكاحها على انقضاء العدّة فإن أسلمت قبل انقضاء العدّة أو عادت إلى دينها الأوّل عند الشّافعيّة في قول دام النّكاح ، وإلّا بان حصول الفرقة من وقت الانتقال ، وهو إحدى الرّوايتين عند الحنابلة ، وفي رواية أخرى ينفسخ في الحال .
ب - انتقال أحد الزّوجين الذّمّيّين إلى غير دين الإسلام:
5 -إذا انتقل أحد الزّوجين الذّمّيّين إلى دين كفر آخر فيرى الحنفيّة أنّهما على نكاحهما . قال ابن عابدين: النّصرانيّة إذا تهوّدت أو عكسه لا يلتفت إليهم لأنّ الكفر كلّه ملّة واحدة وكذا لو تمجّست زوجة النّصرانيّ فهما على نكاحهما كما لو كانت مجوسيّةً في الابتداء ، والمراد بالمجوسيّ من ليس له كتاب سماويّ فيشمل الوثنيّ والدّهريّ .
وهذا ما تقتضيه عبارات فقهاء المالكيّة حيث يصرّحون بفساد أنكحة الكفّار .
ويرى الشّافعيّة أنّ المنتقلة إن كانت منكوحة كافر لا يرى حلّ المنتقلة فهي كالمرتدّة فتتنجّز الفرقة قبل الوطء وكذا بعده إن لم تعد إلى دينها قبل انقضاء العدّة
أمّا إن كان الزّوج الكافر يرى نكاحها فتقر .
(1) -الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 14514)