فهرس الكتاب

الصفحة 650 من 738

إن المحافظة على الأسرار مرغوبة عقلا وشرعا ، ومحاولة الاطلاع عليها بأية وسيلة من الوسائل حذر منها الشرع أشد التحذير، قال تعالى { ولا تجسسوا} [ الحجرات: 12 ] وقال صلى الله عليه و سلم فيما رواه البخارى"من استمع خبر قوم وهم له كارهون صُبَّ في أذنه الآنك ـ أي الرصاص المذاب ـ يوم القيامة"وفيما رواه أبو داود"لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته"وفيما رواه أحمد"إذا تناجى اثنان فلا يدخل بينهما الثالث إلا بإذنهما".

وإفشاء الأسرار حرام ما لم تدع إليه ضرورة ، لأنه ضرر، والإسلام لاضرر فيه ولا ضرار، والأسرار في خطورتها درجات ، ومن أخطرها ما يكون بين الزوجين من الأمور الخاصة ففى حديث مسلم"إن من أشر الناس منزلة يوم القيامة الرجل يفضى إلى المرأة وتفضى إليه ثم ينشر أحدهما سر صاحبه"وكذلك أسرار البيوت التى يطلع عليها الخدم ومن يترددون عليها ، ومن أشدها خطرا ما كان خاصا بالدولة في الأمور التى لا ينبغى أن تطلع عليها دولة أخرى، وعلى الأخص عند توتر العلاقات وقيام حالة الحرب بينهما فرب خبر بسيط يحرزُ به العدو نصرا مؤزرا إن حصل عليه ، أو يُهزمُ به هزيمة منكرة إن نقل عنه ، ومن احتياطات الرسول صلى الله عليه و سلم في هذا المجال أنه كان يرسل السرية لاستطلاع أخبار العدو، ومع قائدها كتاب لا يفضه إلا بعد مسيرة يومين ليعرف المكان الذى يتوجه إليه ، حتى لا يتسرب الخبر إلى أحد من المدينة فيراسل العدو به ، وكان إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها ، ومن أعظم ما أثر في عدم تمكين العدو من معرفة أسرار الدولة وصية أبى بكر لقائده شرحبيل ابن حسنة حيث قال له: وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرم مثواهم ، وأقلل حبسهم حتى يخرجوا من عندك وهم جاهلون بما عندك ، وامنع من قبلك من محادثتهم وليكن أنت الذى تلى كلامهم ، واستر في عسكرك الأخبار، واصدق الله إذا لقيت ، ولا تجبن فيجبن سواك .

ومع هذه الاحتياطات للأسرار بين عقوبة من يفشيها ، فإلى جانب أنه خائن للأمانة التى استودعها ، غادر بالعهد الذى أخذ عليه أن يصون السر، اختلف الفقهاء في قتله وبخاصة إذا اتخذ ذلك حرفة يعرف منها بأنه جاسوس ، وذلك بناء على ما حدث من حاطب بن أبى بلتعة حين أرسل خطابا إلى أهل مكة بتوجه النبى صلى الله عليه و سلم إليهم لفتحها ، وشاء الله أن يضبط هذا الخطاب مع المرأة التى حملته ، وقد اعتذر حاطب بأنه لم يرسله كفرا بالله ولا ردة عن الإسلام ولكن ليحمى أهله حيث لا نسب له في مكة يحميهم كما يحمى غيرهم ، وحين هَم عمر بقتله منعه الرسول ، لأنه شهد بدرا، ولعل الله قال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ، وحيث لا يوجد للجاسوس ما يوجد لحاطب من هذه المنقبة ذكر القرطبى في تفسيره أن من نقل أخبار المسلمين إلى العدو ولم يستحل ذلك لم يكفر، ويترك أمره إلى الإمام ليعاقبه بما يراه ، كما قال مالك وابن القاسم وأشهب ، وقال عبد الملك إذا كانت عادته تلك قتل لأنه جاسوس ، ولإضراره بالمسلمين وسعيه بالفساد في الأرض ، كالذين يحاربون الله ورسوله ، ويسعون في الأرض فسادا ، وعلى هذا الرأى بعض أصحاب أحمد وابن القيم ، والأحناف أجازوا قتله سياسة ، كما جاء في بعض كتبهم جواز قتل كل من يؤذى المسلمين ولا يرتدع إلا بقتله

السحر وخطره

يحيى بن موسى الزهراني

إمام الجامع الكبير بتبوك

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب الأرض والسموات ، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له ، عظيم الخيرات وكثير البركات ، كفر السحرة والساحرات ، وتوعدهم بأشد العقوبات ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله حذر من السحر وعده من السبع الموبقات ، عليه من ربه أفضل سلام ، وأعطر صلوات . . . أما بعد:

فإن السحر من الجرائم العظيمة ، ومن أنواع الكفر ومما يبتلى به الناس قديمًا وحديثًا ، في الأمم الماضية وفي الجاهلية وفي هذه الأمة ، وعلى حسب كثرة الجهل وقلة العلم وقلة الوازع الإيماني والسلطاني - يكثر أهل السحر والشعوذة ، وينتشرون في البلاد للطمع في أموال الناس والتلبيس عليهم ، ولأسباب أخرى ، وعندما يظهر العلم ويكثر الإيمان ، ويقوى السلطان الإسلامي يقل هؤلاء الخبثاء وينكمشون وينتقلون من بلاد إلى بلاد لالتماس المحل الذي يروج فيه باطلهم ، ويتمكنون فيه من الشعوذة والفساد .

ولقد استطار شرر السحرة والكهنة والمشعوذين ، وعظم أمرهم وكثر خطرُهم فآذوا المؤمنين وأدخلوا الرعب على حرماتهم ، غير مبالين وقد توعد الله المجرمين بسقر وما أدراك ما سقر فقد أخبر الله في كتابه العزيز أن الساحر كافر فقال: { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ } .

ويعتبر السحر من أخطر الأمراض التي تصيب الإنسان ، وهو أذى وخطر موجه لبني الإنسان ، فهو لا يفرق بين إنسان تقي وإنسان غير تقي ، أو إنسان مؤمن أو كافر ، فالكل معرض لأذاه . ولكن ينعم الله عز وجل ويحمي من يشاء من خلقه ، لأن الله هو الضار والنافع والمعز والمذل والمحيي والمميت ، لا راد لقدره وقضائه فهو القادر والقاهر فوق عباده يفعل ما يشاء ويختار .

تعريف السحر:

لغة: ما لطف وخفي سببه . ومنه سمي آخر الليل سَحَرًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت