19 -عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: { أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ , فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا إنْ كَانَ كَمَا قَالَ , وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ } وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ بِفِسْقِ الْقَائِلِ . قَالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: وَأَمَّا التَّعْزِيرُ فَيَجِبُ فِي جِنَايَةٍ لَيْسَتْ بِمُوجِبَةٍ لِلْحَدِّ , بِأَنْ قَالَ: يَا كَافِرُ , أَوْ يَا فَاسِقُ , أَوْ يَا فَاجِرُ . وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ مَنْ أَطْلَقَ الشَّارِعُ كُفْرَهُ , مِثْلَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: { مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم } . فَهَذَا كُفْرٌ لَا يُخْرِجُ عَنْ الْإِسْلَامِ بَلْ هُوَ تَشْدِيدٌ . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: مَنْ كَفَّرَ مُسْلِمًا وَلَوْ لِذَنْبِهِ كَفَرَ ; لِأَنَّهُ سَمَّى الْإِسْلَامَ كُفْرًا , وَلِخَبَرِ مُسْلِمٍ: { مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا حَارَ عَلَيْهِ } . أَيْ رَجَعَ عَلَيْهِ هَذَا إنْ كَفَّرَهُ بِلَا تَأْوِيلٍ لِلْكُفْرِ بِكُفْرِ النِّعْمَةِ أَوْ نَحْوِهِ وَإِلَّا فَلَا يَكْفُرُ , وَهَذَا مَا نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ الْمُتَوَلِّي , وَأَقَرَّهُ , وَالْأَوْجَهُ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْخَبَرَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ فَلَا يَكْفُرُ غَيْرُهُ , وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ فِي أَذْكَارِهِ أَنَّ ذَلِكَ يَحْرُمُ تَحْرِيمًا مُغَلَّظًا .
20 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ إلْقَاءَ الْمُصْحَفِ كُلِّهِ فِي مَحَلٍّ قَذِرٍ يُوجِبُ الرِّدَّةَ ; لِأَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ اسْتِخْفَافٌ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى , فَهُوَ أَمَارَةُ عَدَمِ التَّصْدِيقِ . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: وَكَذَا إلْقَاءُ بَعْضِهِ . وَكَذَا كُلُّ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ . كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ سَجَدَ لِصَنَمٍ , أَوْ لِلشَّمْسِ , أَوْ لِلْقَمَرِ فَقَدْ كَفَرَ . وَمَنْ أَتَى بِفِعْلٍ صَرِيحٍ فِي الِاسْتِهْزَاءِ بِالْإِسْلَامِ , فَقَدْ كَفَرَ . قَالَ بِهَذَا الْحَنَفِيَّةُ وَدَلِيلُهُمْ قوله تعالى: { وَلَئِنْ سَأَلَتْهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ } .
الرِّدَّةُ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ:
21 -لَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ جَاحِدًا لَهَا يَكُونُ مُرْتَدًّا , وَكَذَا الزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ ; لِأَنَّهَا مِنْ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ . وَأَمَّا تَارِكُ الصَّلَاةِ كَسَلًا فَفِي حُكْمِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: يُقْتَلُ رِدَّةً , وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ , وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ , وَأَبِي عَمْرٍو , وَالْأَوْزَاعِيِّ , وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ , وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ , وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ , وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ , وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ , وَحَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ نَفْسِهِ , وَحَكَاهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ , وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ , وَأَبِي هُرَيْرَةَ , وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُقْتَلُ حَدًّا لَا كُفْرًا , وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ , وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ . وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ كَسَلًا يَكُونُ فَاسِقًا وَيُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ , وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ .
جِنَايَاتُ الْمُرْتَدِّ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ: