فهرس الكتاب

الصفحة 369 من 738

وَهُوَ عُقَدٌ وَرُقًى وَكَلَامٌ يَتَكَلَّمُ بِهِ , أَوْ يَكْتُبُهُ , أَوْ يَعْمَلُ شَيْئًا فِي بَدَنِ الْمَسْحُورِ أَوْ قَلْبِهِ , أَوْ عَقْلِهِ , مِنْ غَيْر مُبَاشَرَةٍ لَهُ . وَلَهُ حَقِيقَةٌ , فَمِنْهُ مَا يَقْتُلُ , وَمَا يُمْرِضُ , وَيَأْخُذُ الرَّجُلَ عَنْ امْرَأَتِهِ فَيَمْنَعُهُ وَطْأَهَا , وَمِنْهُ مَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ , وَمَا يُبَغِّضُ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ , أَوْ يُحَبِّبُ بَيْنَ اثْنَيْنِ . وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ . وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ إلَى أَنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ , إنَّمَا هُوَ تَخْيِيلٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: { يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى } . وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ شَيْئًا يَصِلُ إلَى بَدَنِ الْمَسْحُورِ , كَدُخَانٍ وَنَحْوِهِ , جَازَ أَنْ يَحْصُلَ مِنْهُ ذَلِكَ , فَأَمَّا أَنْ يَحْصُلَ الْمَرَضُ وَالْمَوْتُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِلَ إلَى بَدَنِهِ شَيْءٌ , فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ , لَبَطَلَتْ مُعْجِزَاتُ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْرِقُ الْعَادَاتِ , فَإِذَا جَازَ مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ , بَطَلَتْ مُعْجِزَاتُهُمْ وَأَدِلَّتُهُمْ . وَلَنَا , قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ } يَعْنِي السَّوَاحِرَ اللَّاتِي يَعْقِدْنَ فِي سِحْرِهِنَّ , وَيَنْفُثْنَ عَلَيْهِ , وَلَوْلَا أَنَّ السِّحْرَ لَهُ حَقِيقَةٌ , لَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ } . إلَى قَوْلِهِ: { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ } . وَرَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها { أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سُحِرَ , حَتَّى إنَّهُ لَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ وَأَنَّهُ قَالَ لَهَا ذَاتَ يَوْمٍ: أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ ؟ أَنَّهُ أَتَانِي مَلَكَانِ فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي , وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ , فَقَالَ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ قَالَ: مَنْ طَبَّهُ ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ , فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ , فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانِ . } ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ , وَغَيْرُهُ . جُفُّ الطَّلْعَةِ: وِعَاؤُهَا . وَالْمُشَاطَةُ: الشَّعَرُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ شَعَرِ الرَّأْسِ أَوْ غَيْرِهِ إذَا مُشِطَ . فَقَدْ أَثْبَتَ لَهُمْ سِحْرًا . وَقَدْ اُشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ وُجُودُ عَقْدِ الرَّجُلِ عَنْ امْرَأَتِهِ حِينَ يَتَزَوَّجُهَا فَلَا يَقْدِرُ عَلَى إتْيَانِهَا , وَحَلُّ عَقْدِهِ , فَيَقْدِرُ عَلَيْهَا بَعْدَ عَجْزِهِ عَنْهَا , حَتَّى صَارَ مُتَوَاتِرًا لَا يُمْكِنُ جَحْدُهُ . وَرُوِيَ مِنْ أَخْبَارِ السَّحَرَةِ مَا لَا يَكَادُ يُمْكِنُ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ فِيهِ . وَأَمَّا إبْطَالُ الْمُعْجِزَاتِ , فَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا ; لِأَنَّهُ لَا يَبْلُغُ مَا يَأْتِي بِهِ الْأَنْبِيَاءُ عليهم السلام , وَلَيْسَ يَلْزَمُ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى أَنْ تَسْعَى الْعِصِيُّ وَالْحِبَالُ . إذَا ثَبَتَ هَذَا , فَإِنَّ تَعَلُّمَ السِّحْرِ وَتَعْلِيمَهُ حَرَامٌ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ . قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُكَفَّرُ السَّاحِرُ بِتَعَلُّمِهِ وَفِعْلِهِ , سَوَاءٌ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ أَوْ إبَاحَتَهُ . وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ , فَإِنَّ حَنْبَلًا رُوِيَ عَنْهُ , قَالَ: قَالَ عَمِّي فِي الْعَرَّافِ وَالْكَاهِنِ وَالسَّاحِرِ: أَرَى أَنْ يُسْتَتَابَ مِنْ هَذِهِ الْأَفَاعِيلِ كُلِّهَا , فَإِنَّهُ عِنْدِي فِي مَعْنَى الْمُرْتَدِّ , فَإِنْ تَابَ وَرَاجَعَ يَعْنِي يُخَلَّى سَبِيلُهُ . قُلْت لَهُ: يُقْتَلُ ؟ قَالَ: لَا , يُحْبَسُ , لَعَلَّهُ يَرْجِعُ . قُلْت لَهُ: لِمَ لَا تَقْتُلُهُ ؟ قَالَ: إذَا كَانَ يُصَلِّي , لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيَرْجِعُ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُكَفِّرْهُ لِأَنَّهُ لَوْ كَفَّرَهُ لَقَتَلَهُ . وَقَوْلُهُ فِي مَعْنَى الْمُرْتَدِّ . يَعْنِي الِاسْتِتَابَةَ . وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: إنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الشَّيَاطِينَ تَفْعَلُ لَهُ مَا يَشَاءُ , كُفِّرَ , وَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ تَخْيِيلٌ لَمْ يُكَفَّرْ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ اعْتَقَدَ مَا يُوجِبُ الْكُفْرَ , مِثْلَ التَّقَرُّبِ إلَى الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ , وَأَنَّهَا تَفْعَلُ مَا يَلْتَمِسُ , أَوْ اعْتَقَدَ حِلَّ السِّحْرِ , كُفِّرَ ; لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَطَقَ بِتَحْرِيمِهِ , وَثَبَتَ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ , وَإِلَّا فُسِّقَ وَلَمْ يُكَفَّرْ ; لِأَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها بَاعَتْ مُدَبَّرَةً لَهَا سَحَرَتْهَا , بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ . وَلَوْ كُفِّرَتْ لَصَارَتْ مُرْتَدَّةً يَجِبُ قَتْلُهَا , وَلَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهَا , وَلِأَنَّهُ شَيْءٌ يَضُرُّ بِالنَّاسِ , فَلَمْ يُكَفَّرْ بِمُجَرَّدِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت