فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 738

وقالت طائفة: لا يستتاب ويجب قتله حين يرتد في الحال، روى ذلك عن الحسن البصرى وطاوس وذكره الطحاوى عن أبى يوسف، وبه قال أهل الظاهر، واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: « من بدل دينه فاقتلوه » قالوا: ولم يذكر فيه استتابةً، وكذلك حديث معاذ وأبى موسى قتلوا المرتد بغير استتابة.

قال الطحاوى: جعل أهل هذه المقالة حكم المرتد حكم الحربيين إذا بلغتهم الدعوة أنه يجب قتالهم دون أن يؤذنوا قال: وإنما تجب الاستتابة لمن خرج عن الإسلام لا عن بصيرة منه، فأما إن خرج منه عن بصيرة فإنه يقتل دون استتابة.

قال أبو يوسف: إن بدر بالتوبة، خليت سبيله ووكلت أمره إلى الله تعالى.

قال ابن القصار: والدليل على أنه يستتاب الإجماع، وذلك أن عمر بن الخطاب قال في المرتد: هلا حبستموه ثلاثة أيام، وأطعتموه كل يوم رغيفًا لعله يتوب فيتوب الله عليه، اللهم لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغنى.

ولم يختلف الصحابة في استتابة المرتد، فكأنهم فهموا من قوله - صلى الله عليه وسلم -: « من بدل دينه فاقتلوه » ، أن المراد بذلك إذا لم يتب، والدليل على ذلك قوله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} [التوبة: 5] فهو عموم في كل كافر.

وأما حديث معاذ وأبى موسى فلا حجة فيه لمن لم يقل بالاستتابة؛ لأنه روى أنه قد كان استتابه أبو موسى، روى أبو بكر بن أبى شيبة قال: حدثنا عباد بن العوام، عن سعيد، عن قتادة، عن حميد بن هلال: « أن معاذًا أتى أبا موسى وعنده يهودى أسلم، ثم ارتد، وقد استتابه أبو موسى شهرين فقال معاذ: لا أجلس حتى أضرب عنقه » .

واختلفوا في استتابة المرتدة، فروى عن على بن أبى طالب أنها لا تستتاب وتسترق، وبه قال عطاء وقتادة وروى الثورى عن بعض أصحابه، عن عاصم بن بهدلة، عن أبى رزين، عن ابن عباس قال: لا تقتل النساء إذا هن ارتددن عن الإسلام، ولكن يحبسن ويجبرن عليه.

ولم يقل بهذا جمهور العلماء، وقالوا: لا فرق بين استتابة المرتد والمرتدة، وروى عن أبى بكر الصديق مثله.

وشذ أبو حنيفة وأصحابه فقالوا بما روى عن ابن عباس في ذلك، وقالوا: إن ابن عباس روى عن الرسول: « من بدل دينه فاقتلوه » ولم ير قتل المرتدة فهو أعلم بمخرج الحديث، واحتجوا بأن الرسول نهى عن قتل النساء، قالوا: والمرتدة لا تقتل، فوجب أن لا تقتل كالحربية.

وحجة الجماعة أنها تستتاب قوله - صلى الله عليه وسلم -: « من بدل دينه فاقتلوه » ولفظ « من » يصلح للذكر والأنثى فهو عموم يدخل فيه الرجال والنساء؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يخص امرأة من رجل.

قال ابن المنذر: وإذا كان الكفر من أعظم الذنوب وأجل جُرم اجترمه المسلمون من الرجال والنساء، ولله أحكام في كتابه، وحدود دون الكفر ألزمها عباده، منها الزنا والسرقة وشرب الخمر وحد القذف والقصاص وكانت الأحكام والحدود التى هى دون الارتداد لازمة للرجال والنساء مع عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: « من بدل دينه فاقتلوه » فكيف يجوز أن يفرق أحد بين أعظم الذنوب فيطرحه عن النساء ويلزمهن ما دون ذلك؟ ! هذا غلط بَيِّن.

وأما حديث ابن عباس فإنما رواه أبو حنيفة، عن عاصم، وقد قال أحمد بن حنبل: لم يروه الثقات من أصحاب عاصم كشعبة وابن عيينة وحماد بن زيد، وإنما رواه الثورى، عن أبى حنيفة، وقد قال أبو بكر بن عياش: قلت لأبى حنيفة: هذا الذى قاله ابن عباس إنما قاله فيمن أتى بهيمة أنه لا قتل عليه، لا في المرتدة، فتشكك فيه وتلون لم يقم به، فدل أنه خطأ.

ولو صح لكان قول ابن عباس معارضه؛ لأن أبا بكر الصديق مخالف له، وقد قال: تستتاب المرتدة. ثم يرجع إلى قوله - صلى الله عليه وسلم -: « من بدل دينه فاقتلوه » الذى هو الحجة على كل أحد.

وأما قياسهم لها على الحربية فالفرق بينهما أن الحربية إنما لم تقتل إذ لم تقاتل؛ لأن الغنيمة تتوفر بترك قتلها؛ لأنها تسبى وتسترق، والمرتدة: لا تسبى ولا تسترق، فليس في استبقائها غنم.

واختلفوا في الزنديق هل يستتاب؟ فقال مالك والليث وأحمد وإسحاق: يقتل ولا تقبل توبته. قال مالك: والزنادقة: ما كان عليه المنافقون من إظهار الإيمان وستر الكفر.

واختلف قول أبى حنيفة وأبى يوسف؛ فمرة قالا: يستتاب، ومرة قالا: لا يستتاب.

وقال الشافعى: يستتاب الزنديق كما يستتاب المرتد. وهو قول عبيد الله بن الحسن.

وذكر ابن المنذر، عن على بن أبى طالب مثله.

وقيل لمالك: لم يقتل الزنديق ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقتل المنافقين وقد عرفهم؟ فقال: لأن توبته لا تعرف، وأيضًا فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو قتلهم وهم يظهرون الإيمان لكان قتلهم بعلمه، ولو قتلهم بعلمه؛ لكان ذريعة إلى أن يقول الناس قتلهم للضغائن والعداوة، ولامتنع من أراد الإسلام من الدخول فيه إذا رأى النبى - صلى الله عليه وسلم - يقتل من دخل في الإسلام؛ لأن الناس كانوا حديث عهد بالكفر. هذا معنى قوله، وقد روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « لئلا يقول الناس أنه يقتل أصحابه » .

واحتج الشافعى بقوله تعالى في المنافقين: {واتخذوا أيمانهم جنة} [المجادلة: 16، المنافقون: 2] قال: وهذا يدل على أن إظهار الإيمان جنة من القتل وقد جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الشهادة بالأيمان تعصم الدم والمال، فدل أن من أهل القبلة من يشهد بها غير مخلص، وأنها تحقن دمه وحسابه على الله.

وقد أجمعوا أن أحكام الدين على الظاهر، وإلى الله السرائر، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لخالد بن الوليد حين قتل الذى استعاذ بالشهادة: « هلا شققت عن قلبه » فدل أنه ليس له إلا ظاهره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت