أَيْضًا فِي احْتِجَاجِهِمْ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ بِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ عَذَابَ الْآخِرَةِ - وَهُوَ الْعَذَابُ الْأَكْبَرُ - فَإِذَا أَسْقَطَتْ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ فَأَحْرَى وَأَوْجَبُ أَنْ تُسْقِطَ الْعَذَابَ الْأَقَلَّ , الَّذِي هُوَ الْحَدُّ فِي الدُّنْيَا فَوَجَدْنَا هَذَا كُلَّهُ لَازِمًا لِكُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا , لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ - بِزَعْمِهِمْ - وَلَوْ صَحَّ قِيَاسٌ يَوْمًا مَا مِنْ الدَّهْرِ لَكَانَتْ هَذِهِ الْمَقَايِيسُ أَصَحَّ قِيَاسٍ فِي الْعَالَمِ . وَأَيْنَ هَذَا مِنْ قِيَاسِهِمْ الْفَاسِدِ: الْحَدِيدُ عَلَى الذَّهَبِ فِي الرِّبَا , وَغَزْلُ الْقُطْنِ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الرِّبَا , وَقِيَاسِهِمْ فَرْجَ الزَّوْجَةِ عَلَى يَدِ السَّارِقِ , وَسَائِرِ قِيَاسَاتِهِمْ الْفَاسِدَةِ الَّتِي لَا تُعْقَلُ . وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا يَلْزَمُنَا هَذَا , لِأَنَّ الْقِيَاسَ كُلَّهُ بَاطِلٌ لَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِشَيْءٍ مِنْهُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . وَعَذَابُ الْآخِرَةِ غَيْرُ عَذَابِ الدُّنْيَا , وَلَيْسَ إذَا سَقَطَ أَحَدُهُمَا وَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ الْآخَرُ , إذْ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ نَصُّ قُرْآنٍ , وَلَا سُنَّةٍ , وَلَا إجْمَاعٍ . وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَعَاصِي لَيْسَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا حَدٌّ , كَالْغَصْبِ - وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: يَا كَافِرُ - وَكَأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ , وَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ , وَغَيْرِ ذَلِكَ - وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجِبِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا فِي الْآخِرَةِ عِقَابٌ , بَلْ فِيهَا أَعْظَمُ الْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ . فَصَحَّ أَنَّ أَحْكَامَ الدُّنْيَا غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِأَحْكَامِ الْآخِرَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . وَقَدْ احْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ } إلَى قوله تعالى: { غَفُورٌ رَحِيمٌ } فَوَجَدْنَاهُمْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُسْقِطْ الْحَدَّ بِالتَّوْبَةِ مُطْلَقَةً , وَلَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ ( إلَّا الَّذِينَ تَابُوا ) وَلَمْ يَقُلْ"مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ"فَلَمَّا قَالَ تَعَالَى { مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ } بَيَّنَ لَنَا تَعَالَى أَنَّ هَذِهِ التَّوْبَةَ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ بَعْدِ الْجَلْدِ ثَمَانِينَ , وَاسْتِحْقَاقُ اسْمِ الْفُسُوقِ , وَرَدُّ الشَّهَادَةِ , لَا قَبْلَ الْجَلْدِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ , فَإِنَّمَا سَقَطَ بِالتَّوْبَةِ بَعْدَ الْجَلْدِ مَا عَدَا الْجَلْدَ , لِأَنَّ الْجَلْدَ قَدْ نَفَذَ فَلَا يَسْقُطُ بَعْدَهُ بِالتَّوْبَةِ إلَّا الْفِسْقُ , وَحُكْمُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ فَقَطْ . وَأَيْضًا: فَبَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ جَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مِسْطَحَ بْنِ أُثَاثَةَ , وَحَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ , وَحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ - فَبَطَلَ التَّعَلُّقُ فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ بِالتَّوْبَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ . وَصَحَّ أَنَّهُ إنَّمَا سَقَطَ بِهَا مَا عَدَا الْحَدَّ - وَهُوَ الْفِسْقُ , وَرَدُّ الشَّهَادَةِ فَقَطْ - فَبَطَلَ كُلُّ مَا شَغَبَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ بِهِ - وَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ شَيْءٌ مِنْ الْحُدُودِ , حَاشَا حَدِّ الْحِرَابَةِ الَّذِي وَرَدَ النَّصُّ بِسُقُوطِهَا بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ فَقَطْ - وَأَمَّا بِالتَّوْبَةِ الْكَائِنَةِ مِنْهُمْ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ , أَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ , فَلَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ عَنْهُمْ حَدُّ الْمُحَارَبَةِ أَصْلًا , لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يُسْقِطْ الْحَدَّ عَنْهُمْ إلَّا بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ فَقَطْ , وَبَقِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ عَلَى إنْفَاذِ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِيهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . قَالَ عَلِيٌّ رحمه الله: وَالدَّلِيلُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِحَدٍّ وَلَمْ يَقُلْ مَا هُوَ ؟ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَصْلًا كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ حَدٌّ فِيهِ الْجَلْدُ فَقَطْ: لَمْ يَقُمْ أَيْضًا جَلْدٌ , لِأَنَّهُ قَدْ يُظَنُّ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَ أَنَّهُ حَدٌّ يُوجِبُ جَلْدًا - وَلَيْسَ كَمَا يُظَنُّ - فَإِذْ هُوَ مُمْكِنٌ فَلَا يَحِلُّ لَنَا بَشَرَتُهُ بِإِحْلَالِهِ لَنَا إيَّاهَا , لِأَنَّ تَحْرِيمَ اللَّهِ تَعَالَى لَهَا قَبْلَ إحْلَالِهِ الْفَاسِدِ . وَلَوْ أَنَّ امْرَأً قَالَ لِآخَرَ: اضْرِبْنِي فَقَدْ أَحْلَلْت لَك بَشَرَتِي ؟ لَمْ يَحِلَّ ضَرْبُهُ أَصْلًا , لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحِلَّ مِنْ نَفْسِهِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا , وَلَا أَنْ يُحَرِّمَ مِنْهَا مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى . وَلَوْ قَالَ مَنْ صَحَّ عَلَيْهِ الْجَلْدُ فِي الْقَذْفِ , أَوْ الزِّنَى , أَوْ الْخَمْرِ: قَدْ حَرَّمْت عَلَيْكُمْ بَشَرَتِي , لَكَانَ كَلَامُهُ هَذْرًا وَلَغْوًا . وَكَذَلِكَ لَوْ أَحَلَّ لِآخَرَ قَتْلَ نَفْسِهِ أَوْ قَطْعَ يَدِهِ أَوْ أَحَلَّتْ الْمَرْأَةُ فَرْجَهَا لِأَجْنَبِيٍّ . أَوْ حَرَّمَ الرَّجُلُ فَرْجَهُ عَلَى امْرَأَتِهِ , أَوْ حَرَّمَتْ هِيَ فَرْجَهَا عَلَيْهِ , لَكَانَ