فهرس الكتاب

الصفحة 336 من 738

وَفِيهِ فُصُولٌ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي التَّعَارُضِ . اعْلَمْ أَنَّ الْمُهِمَّ الْأَوَّلَ مَعْرِفَةُ مَحَلِّ التَّعَارُضِ , فَنَقُولُ كُلُّ مَا دَلَّ الْعَقْلُ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَلَيْسَ لِلتَّعَارُضِ فِيهِ مَجَالٌ إذْ الْأَدِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ يَسْتَحِيلُ نَسْخُهَا , وَتَكَاذُبُهَا , فَإِنْ وَرَدَ دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ عَلَى خِلَافِ الْعَقْلِ فَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ مُتَوَاتِرًا فَيُعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ , وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَوَاتِرًا , فَيَكُونَ مُؤَوَّلًا , وَلَا يَكُونَ مُتَعَارِضًا . وَأَمَّا نَصٌّ مُتَوَاتِرٌ لَا يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ , وَالتَّأْوِيلَ , وَهُوَ عَلَى خِلَافِ دَلِيلِ الْعَقْلِ فَذَلِكَ مُحَالٌ ; لِأَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ لَا يَقْبَلُ النَّسْخَ , وَالْبُطْلَانَ , مِثَالُ ذَلِكَ الْمُؤَوَّلُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ قوله تعالى: { خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } إذْ خَرَجَ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ ذَاتُ الْقَدِيمِ وَصِفَاتُهُ , وَقَوْلُهُ: { وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى عُمُومِهِ , وَلَا يُعَارِضُهُ قوله تعالى: { قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ } إذْ مَعْنَاهُ مَا لَا يَعْلَمُ لَهُ أَصْلًا أَيْ: يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ , وَلَا يُعَارِضُهُ قوله تعالى: { حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } إذْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْمُجَاهَدَةَ كَائِنَةً , وَحَاصِلَةً , وَفِي الْأَزَلِ لَا يُوصَفُ عِلْمُهُ بِتَعَلُّقِهِ بِحُصُولِ الْمُجَاهَدَةِ قَبْلَ حُصُولِهَا . وَكَذَلِكَ قوله تعالى: { وَتَخْلُقُونَ إفْكًا } لَا يُعَارِضُ قَوْلَهُ: { خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } ; لِأَنَّ الْمَعْنِيَّ بِهِ الْكَذِبُ دُونَ الْإِيجَادِ , وَكَذَلِكَ قوله تعالى: { وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ } ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ تُقَدِّرُ وَالْخَلْقُ هُوَ التَّقْدِيرُ , وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: { أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } أَيْ: الْمُقَدِّرِينَ , وَهَكَذَا أَبَدًا تَأْوِيلُ مَا خَالَفَ دَلِيلَ الْعَقْلِ أَوْ خَالَفَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى عُمُومِهِ . أَمَّا الشَّرْعِيَّاتُ فَإِذَا تَعَارَضَ فِيهَا دَلِيلَانِ فَإِمَّا أَنْ يَسْتَحِيلَ الْجَمْعُ أَوْ يُمْكِنَ , فَإِنْ امْتَنَعَ الْجَمْعُ لِكَوْنِهِمَا مُتَنَاقِضَيْنِ كَقَوْلِهِ مَثَلًا { مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَلَا تَقْتُلُوهُ . { لَا يَصِحُّ نِكَاحٌ بِغَيْرِ وَلِيٍّ } ,"يَصِحُّ نِكَاحٌ بِغَيْرِ وَلِيٍّ". فَمِثْلُ هَذَا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا نَاسِخًا , وَالْآخَرُ مَنْسُوخًا , فَإِنْ أَشْكَلَ التَّارِيخُ فَيُطْلَبُ الْحُكْمُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ , وَيُقَدَّرُ تَدَافُعُ النَّصَّيْنِ , فَإِنْ عَجَزْنَا عَنْ دَلِيلٍ آخَرَ فَنَتَخَيَّرُ الْعَمَلَ بِأَيِّهِمَا شِئْنَا ; لِأَنَّ الْمُمْكِنَاتِ أَرْبَعَةٌ: الْعَمَلُ بِهِمَا , وَهُوَ مُتَنَاقِضٌ , أَوْ اطِّرَاحُهُمَا , وَهُوَ إخْلَاءُ الْوَاقِعَةِ عَنْ الْحُكْمِ , وَهُوَ مُتَنَاقِضٌ , أَوْ اسْتِعْمَالُ وَاحِدٍ بِغَيْرِ مُرَجِّحٍ , وَهُوَ تَحَكُّمٌ , فَلَا يَبْقَى إلَّا التَّخَيُّرُ الَّذِي يَجُوزُ وُرُودُ التَّعَبُّدِ بِهِ ابْتِدَاءً فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ كَلَّفَنَا وَاحِدًا بِعَيْنِهِ لَنَصَّبَ عَلَيْهِ دَلِيلًا , وَلَجَعَلَ لَنَا إلَيْهِ سَبِيلًا , إذْ لَا يَجُوزُ تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ . , وَفِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ مَزِيدُ غَوْرٍ سَنَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ عِنْدَ تَخَيُّرِ الْمُجْتَهِدِ , وَتَحَيُّرِهِ . أَمَّا إذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بِوَجْهٍ مَا فَهُوَ عَلَى مَرَاتِبَ: الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: عَامٌّ , وَخَاصٌّ , كَقَوْلِهِ عليه السلام: { فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ } مَعَ قَوْلِهِ: { لَا صَدَقَةَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ } فَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ مَذْهَبِ الْقَاضِي أَنَّ التَّعَارُضَ وَاقِعٌ لِإِمْكَانِ كَوْنِ أَحَدِهِمَا نَسْخًا بِتَقْدِيرِ إرَادَةِ الْعُمُومِ بِالْعَامِّ , وَالْمُخْتَارُ أَنْ يُجْعَلَ بَيَانًا , وَلَا يُقَدَّرُ النَّسْخُ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَإِنَّ فِيهِ تَقْدِيرَ دُخُولِ مَا دُونَ النِّصَابِ تَحْتَ وُجُوبِ الْعُشْرِ ثُمَّ خُرُوجِهِ مِنْهُ , وَذَلِكَ لَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِهِ بِالتَّوَهُّمِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ . الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْمُؤَوَّلُ قَوِيًّا فِي الظُّهُورِ بَعِيدًا عَنْ التَّأْوِيلِ لَا يَنْقَدِحُ تَأْوِيلُهُ إلَّا بِقَرِينَةٍ , فَكَلَامُ الْقَاضِي فِيهِ أَوْجَهُ , وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ: عليه السلام: { إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ } كَمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ , فَإِنَّهُ كَالصَّرِيحِ فِي نَفْيِ رِبَا الْفَضْلِ , وَرِوَايَةُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فِي قَوْلِهِ: { الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ } صَرِيحٌ فِي إثْبَاتِ رِبَا الْفَضْلِ , فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا نَاسِخًا لِلْآخَرِ , وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: { إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ } أَيْ: فِي مُخْتَلِفَيْ الْجِنْسِ , وَيَكُونُ قَدْ خَرَجَ عَلَى سُؤَالٍ خَاصٍّ عَنْ الْمُخْتَلِفَيْنِ أَوْ حَاجَةٍ خَاصَّةٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت