فَصْلٌ وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ إذَا عُرِفَ تَفْسِيرُهُ مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُحْتَجْ فِي ذَلِكَ إلَى أَقْوَالِ أَهْلِ اللُّغَةِ فَإِنَّهُ قَدْ عُرِفَ تَفْسِيرُهُ وَمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُحْتَجْ فِي ذَلِكَ إلَى الِاسْتِدْلَالِ بِأَقْوَالِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ"الْأَسْمَاءُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ"نَوْعٌ يُعْرَفُ حَدُّهُ بِالشَّرْعِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَنَوْعٌ يُعْرَفُ حَدُّهُ بِاللُّغَةِ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَنَوْعٌ يُعْرَفُ حَدُّهُ بِالْعُرْفِ كَلَفْظِ الْقَبْضِ وَلَفْظِ الْمَعْرُوفِ فِي قَوْلِهِ { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ اعْتِصَامُهُمْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَكَانَ مِنْ الْأُصُولِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ قَطُّ أَنْ يُعَارِضَ الْقُرْآنَ لَا بِرَأْيِهِ وَلَا ذَوْقِهِ وَلَا مَعْقُولِهِ وَلَا قِيَاسِهِ وَلَا وَجْدِهِ فَإِنَّهُمْ ثَبَتَ عَنْهُمْ بِالْبَرَاهِينِ الْقَطْعِيَّاتِ وَالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ أَنَّ الرَّسُولَ جَاءَ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ وَأَنَّ الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ: فِيهِ نَبَأُ مَنْ قَبْلَهُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَهُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَهُمْ هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ وَمَنْ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ هُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ وَهُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسُنُ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُزِيغَهُ إلَى هَوَاهُ وَلَا يُحَرِّفَ بِهِ لِسَانَهُ وَلَا يَخْلَقَ عَنْ كَثْرَةِ التَّرْدَادِ فَإِذَا رُدِّدَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لَمْ يَخْلَقْ وَلَمْ يُمَلَّ كَغَيْرِهِ مِنْ الْكَلَامِ وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَلَا تَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ وَمَنْ دَعَا إلَيْهِ هُدِيَ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . فَكَانَ الْقُرْآنُ هُوَ الْإِمَامَ الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ ؛ وَلِهَذَا لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُ عَارَضَ الْقُرْآنَ بِعَقْلِ وَرَأْيٍ وَقِيَاسٍ وَلَا بِذَوْقِ وَوَجْدٍ وَمُكَاشَفَةٍ وَلَا قَالَ قَطُّ قَدْ تَعَارَضَ فِي هَذَا الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقُولَ: فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْعَقْلِ . وَالنَّقْلُ - يَعْنِي الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ وَأَقْوَالَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - إمَّا أَنْ يُفَوَّضَ وَإِمَّا أَنْ يُؤَوَّلَ . وَلَا فِيهِمْ مَنْ يَقُولُ: إنَّ لَهُ ذَوْقًا أَوْ وَجْدًا أَوْ مُخَاطَبَةً أَوْ مُكَاشَفَةً تُخَالِفُ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ ؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ حَيْثُ يَأْخُذُ الْمَلَكُ الَّذِي يَأْتِي الرَّسُولَ وَأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْدِنِ عِلْمَ التَّوْحِيدِ وَالْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ يَأْخُذُونَ عَنْ مِشْكَاتِهِ . أَوْ يَقُولَ: الْوَلِيُّ أَفْضَلُ مِنْ النَّبِيِّ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ مَقَالَاتِ أَهْلِ الْإِلْحَادِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ لَمْ تَكُنْ حَدَثَتْ بَعْدُ فِي الْمُسْلِمِينَ . وَإِنَّمَا يُعْرَفُ مِثْلُ هَذِهِ إمَّا عَنْ مَلَاحِدَةِ الْيَهُودِ أَوْ النَّصَارَى فَإِنَّ فِيهِمْ مَنْ يُجَوِّزُ أَنَّ غَيْرَ النَّبِيِّ أَفْضَلُ مِنْ النَّبِيِّ كَمَا قَدْ يَقُولُهُ فِي الْحَوَارِيِّينَ فَإِنَّهُمْ عِنْدَهُمْ رُسُلٌ وَهُمْ يَقُولُونَ: أَفْضَلُ مِنْ داود وَسُلَيْمَانَ ؛ بَلْ وَمِنْ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَإِنْ سَمَّوْهُمْ أَنْبِيَاءَ إلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ . وَلَمْ يَكُنْ السَّلَفُ يَقْبَلُونَ مُعَارَضَةَ الْآيَةِ إلَّا بِآيَةِ أُخْرَى تُفَسِّرُهَا وَتَنْسَخُهَا ؛ أَوْ بِسُنَّةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُفَسِّرُهَا . فَإِنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُبَيِّنُ الْقُرْآنَ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ وَتُعَبِّرُ عَنْهُ وَكَانُوا يُسَمُّونَ مَا عَارَضَ الْآيَةَ نَاسِخًا لَهَا فَالنَّسْخُ عِنْدَهُمْ اسْمٌ عَامٌّ لِكُلِّ مَا يَرْفَعُ دَلَالَةَ الْآيَةِ عَلَى مَعْنًى بَاطِلٍ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَمْ يُرَدْ بِهَا وَإِنْ كَانَ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ ؛ بَلْ قَدْ لَا يُفْهَمُ مِنْهَا وَقَدْ فَهِمَهُ مِنْهَا قَوْمٌ فَيُسَمُّونَ مَا رَفَعَ ذَلِكَ الْإِبْهَامَ وَالْإِفْهَامَ نَسْخًا [ و ] هَذِهِ التَّسْمِيَةُ لَا تُؤْخَذُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ . وَأَصْلُ ذَلِكَ [ مِنْ إلْقَاءِ ] الشَّيْطَانِ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ فَمَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ فِي الْأَذْهَانِ مِنْ ظَنِّ دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى مَعْنًى لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ سَمَّى هَؤُلَاءِ مَا يَرْفَعُ ذَلِكَ الظَّنَّ نَسْخًا كَمَا سَمَّوْا قَوْلَهُ: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } نَاسِخًا لِقَوْلِهِ: { اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } وَقَوْلَهُ: لَا