وَلَيْسَ فِي فِرَقِ الْأُمَّةِ أَكْثَرُ كَذِبًا وَاخْتِلَافًا مِنْ"الرَّافِضَةِ"مِنْ حِينِ نَبَغُوا . فَأَوَّلُ مَنْ ابْتَدَعَ الرَّفْضَ كَانَ مُنَافِقًا زِنْدِيقًا يُقَالُ لَهُ"عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبَأٍ"فَأَرَادَ بِذَلِكَ إفْسَادَ دِينِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا فَعَلَ"بولص"صَاحِبُ الرَّسَائِلِ الَّتِي بِأَيْدِي النَّصَارَى حَيْثُ ابْتَدَعَ لَهُمْ بِدَعًا أَفْسَدَ بِهَا دِينَهُمْ وَكَانَ يَهُودِيًّا فَأَظْهَرَ النَّصْرَانِيَّةَ نِفَاقًا فَقَصَدَ إفْسَادَهَا وَكَذَلِكَ كَانَ"ابْنُ سَبَأٍ"يَهُودِيًّا فَقَصَدَ ذَلِكَ وَسَعَى فِي الْفِتْنَةِ لِقَصْدِ إفْسَادِ الْمِلَّةِ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ ؛ لَكِنْ حَصَلَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ تَحْرِيشٌ وَفِتْنَةٌ قُتِلَ فِيهَا عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجَرَى مَا جَرَى مِنْ الْفِتْنَةِ وَلَمْ يَجْمَعْ اللَّهُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - هَذِهِ الْأُمَّةَ عَلَى ضَلَالَةٍ ؛ بَلْ لَا يَزَالُ فِيهَا طَائِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالْحَقِّ لَا يَضُرُّهَا مَنْ خَالَفَهَا وَلَا مَنْ خَذَلَهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ؛ كَمَا شَهِدَتْ بِذَلِكَ النُّصُوصُ الْمُسْتَفِيضَةُ فِي الصِّحَاحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَلَمَّا أُحْدِثَتْ الْبِدَعُ الشِّيعِيَّةُ فِي خِلَافَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَدَّهَا . وَكَانَتْ"ثَلَاثَةَ طَوَائِفَ"غَالِيَةٌ ؛ وَسَبَّابَةٌ وَمُفَضِّلَةٌ فَأَمَّا"الْغَالِيَةُ"فَإِنَّهُ حَرَّقَهُمْ بِالنَّارِ فَإِنَّهُ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ بَابِ كِنْدَةَ فَسَجَدَ لَهُ أَقْوَامٌ فَقَالَ: مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا: أَنْتَ هُوَ اللَّهُ . فَاسْتَتَابَهُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يَرْجِعُوا فَأَمَرَ فِي الثَّالِثِ بِأَخَادِيدَ فَخُدَّتْ وَأَضْرَمَ فِيهَا النَّارَ ثُمَّ قَذَفَهُمْ فِيهَا وَقَالَ: لَمَّا رَأَيْت الْأَمْرَ أَمْرًا مُنْكَرًا أَجَّجْت نَارِي وَدَعَوْت قنبرا وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ عَلِيًّا أَتَى بِزَنَادِقَتِهِمْ فَحَرَّقَهُمْ وَبَلَغَ ذَلِكَ { ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَوْ كُنْت لَمْ أُحَرِّقْهُمْ ؛ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعَذَّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَلَضَرَبْت أَعْنَاقَهُمْ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } وَأَمَّا"السَّبَّابَةُ"فَإِنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ مَنْ سَبَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ طَلَبَ قَتْلَهُ فَهَرَبَ مِنْهُ إلَى قرقيسيا ؛ وَكَلَّمَهُ فِيهِ وَكَانَ عَلِيٌّ يُدَارِي أُمَرَاءَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا وَلَمْ يَكُونُوا يُطِيعُونَهُ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ . وَأَمَّا"الْمُفَضِّلَةُ"فَقَالَ: لَا أوتى بِأَحَدِ يُفَضِّلُنِي عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ إلَّا جَلَدْته حَدَّ الْمُفْتَرِينَ وَرُوِيَ عَنْهُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِينَ وَجْهًا أَنَّهُ قَالَ: خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِيهِ: يَا أَبَتِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ يَا بُنَيَّ ؟ أَوَمَا تَعْرِفُ قَالَ: لَا . قَالَ: أَبُو بَكْرٍ ؛ قَالَ: ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ: عُمَرُ . وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ عَلِيًّا رَوَى هَذَا التَّفْضِيلَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ."وَالْمَقْصُودُ هُنَا"أَنَّهُ قَدْ كُذِبَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَذِبِ الَّذِي لَا يَجُوزُ نِسْبَتُهَا إلَى أَقَلِّ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى أَضَافَتْ إلَيْهِ الْقَرَامِطَةُ وَالْبَاطِنِيَّةُ والخرمية والمزدكية والإسماعيلية والنصيرية مَذَاهِبَهَا الَّتِي هِيَ مِنْ أَفْسَدِ مَذَاهِبِ الْعَالَمِينَ وَادَّعَوْا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْعُلُومِ الْمَوْرُوثَةِ عَنْهُ . وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا أَحْدَثَهُ الْمُنَافِقُونَ الزَّنَادِقَةُ الَّذِينَ قَصَدُوا إظْهَارَ مَا عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ وَهُمْ يُبْطِنُونَ خِلَافَ ذَلِكَ وَاسْتَتْبَعُوا الطَّوَائِفَ الْخَارِجَةَ عَنْ الشَّرَائِعِ ؛ وَكَانَ لَهُمْ دُوَلٌ ؛ وَجَرَى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ فِتَنٌ حَتَّى قَالَ"ابْنُ سِينَا": إنَّمَا اشْتَغَلْت فِي عُلُومِ الْفَلَاسِفَةِ لِأَنَّ أَبِي كَانَ مِنْ أَهْلِ دَعْوَةِ الْمِصْرِيِّينَ . يَعْنِي مِنْ بَنِي عُبَيْدٍ الرَّافِضَةِ الْقَرَامِطَةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَحِلُونَ هَذِهِ الْعُلُومَ الْفَلْسَفِيَّةَ ؛ وَلِهَذَا تَجِدُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ الرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ الْبُعْدِ عَنْ مَعْرِفَةِ النُّبُوَّاتِ اتِّصَالٌ وَانْضِمَامَاتٌ يَجْمَعُهُمْ فِيهِ الْجَهْلُ الصَّمِيمُ بِالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ ؛ صِرَاطِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ . فَإِذَا كَانَ فِي الزَّمَانِ الَّذِي هُوَ أَقَلُّ مِنْ سَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ قَدْ كُذِبَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَأَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ وَأُضِيفَ إلَيْهِمْ مِنْ مَذَاهِبِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُنَجِّمِينَ مَا يَعْلَمُ كُلُّ عَاقِلٍ بَرَاءَتَهُمْ مِنْهُ وَنَفَقَ ذَلِكَ