فهرس الكتاب

الصفحة 416 من 738

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ . أَحْمَد بْنُ تيمية - رَحِمَهُ اللَّهُ فَصْلٌ فِي"تَزْكِيَةِ النَّفْسِ"وَكَيْفَ تَزْكُو بِتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ مَعَ فِعْلِ الْمَأْمُورَاتِ . قَالَ تَعَالَى: { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا } و { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } . قَالَ قتادة وَابْنُ عيينة وَغَيْرُهُمَا: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَصَالِحِ الْأَعْمَالِ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ: قَدْ أَفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكَّاهَا اللَّهُ وَقَدْ خَابَتْ نَفْسٌ دَسَّاهَا اللَّهُ . وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الوالبي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ . وَ [ لَيْسَ ] هُوَ مُرَادَ الْآيَةِ ؛ بَلْ الْمُرَادُ بِهَا الْأَوَّلُ قَطْعًا لَفْظًا وَمَعْنًى . أَمَّا"اللَّفْظُ"فَقَوْلُهُ: مَنْ زَكَّاهَا اسْمٌ مَوْصُولٌ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ عَائِدٍ عَلَى ( مَنْ فَإِذَا قِيلَ: قَدْ أَفْلَحَ الشَّخْصُ الَّذِي زَكَّاهَا كَانَ ضَمِيرُ الشَّخْصِ فِي زَكَّاهَا يَعُودُ عَلَى( مَنْ ) هَذَا وَجْهُ الْكَلَامِ الَّذِي لَا رَيْبَ فِي صِحَّتِهِ كَمَا يُقَالُ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ اتَّقَى اللَّهَ وَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَطَاعَ رَبَّهُ . وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَعْنَى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهُ اللَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الْجُمْلَةِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى ( مَنْ فَإِنَّ الضَّمِيرَ عَلَى هَذَا يَعُودُ عَلَى اللَّهِ وَلَيْسَ هُوَ( مَنْ ) وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ يَعُودُ عَلَى النَّفْسِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَلَا يَعُودُ عَلَى ( مَنْ ) لَا ضَمِيرُ الْفَاعِلِ وَلَا الْمَفْعُولِ . فَتَخْلُو الصِّلَةُ مِنْ عَائِدٍ وَهَذَا لَا يَجُوزُ . نَعَمْ لَوْ قِيلَ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى اللَّهُ نَفْسَهُ أَوْ مَنْ زَكَّاهَا اللَّهُ لَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ صَحَّ الْكَلَامُ وَخَفَاءُ هَذَا عَلَى مَنْ قَالَ بِهِ مِنْ النُّحَاةِ عَجَبٌ . وَهُوَ لَمْ يَقُلْ: قَدْ أَفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكَّاهَا . فَإِنَّهُ هنا كانت تَكُونُ زَكَّاهَا صِفَةً لِنَفْسِ لَا صِلَةً ؛ بَلْ قَالَ: { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا } فَالْجُمْلَةُ صِلَةٌ لِ ( مَنْ لَا صِفَةَ لَهَا . وَلَا قَالَ أَيْضًا: قَدْ أَفْلَحَتْ النَّفْسُ الَّتِي زَكَّاهَا ؛ فَإِنَّهُ لَوْ قِيلَ ذَلِكَ وَجُعِلَ فِي ( زَكَّاهَا ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى اسْمِ اللَّهِ صَحَّ فَإِذَا تَكَلَّفُوا وَقَالُوا: التَّقْدِيرُ { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا } هِيَ النَّفْسُ الَّتِي زَكَّاهَا . وَقَالُوا: فِي زَكَّى ضَمِيرُ الْمَفْعُولِ يَعُودُ عَلَى ( مَنْ وَهِيَ تَصْلُحُ لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ وَالْوَاحِدُ وَالْعَدَدُ فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى مَعْنَاهَا الْمُؤَنَّثِ وَتَأْنِيثُهَا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وَلِهَذَا قِيلَ: { قَدْ أَفْلَحَ } وَلَمْ يَقُلْ قَدْ أَفْلَحَتْ قِيلَ لَهُمْ: هَذَا مَعَ أَنَّهُ خُرُوجٌ مِنْ اللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ فَإِنَّمَا يَصِحُّ إذَا دَلَّ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي مِثْلِ وَمَنْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ لَنَا وَكَذَا قَوْلُهُ: { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ } وَنَحْوُ ذَلِكَ . وَأَمَّا هُنَا فَلَيْسَ فِي لَفْظِ ( مَنْ وَمَا بَعْدَهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّفْسُ الْمُؤَنَّثَةُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْكَلَامِ مَا لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَتِهِ ؛ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا مِمَّا يُصَانُ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ فَلَوْ قُدِّرَ احْتِمَالُ عَوْدِ ضَمِيرِ ( زَكَّاهَا إلَى نَفْسٍ وَإِلَى ( مَنْ مَعَ أَنَّ لَفْظَ ( مَنْ لَا دَلِيلَ يُوجِبُ عَوْدَهُ عَلَيْهِ لَكَانَ إعَادَتُهُ إلَى الْمُؤَنَّثِ أَوْلَى مِنْ إعَادَتِهِ إلَى مَا يَحْتَمِلُ التَّذْكِيرَ وَالتَّأْنِيثَ وَهُوَ فِي التَّذْكِيرِ أَظْهَرَ لِعَدَمِ دَلَالَتِهِ عَلَى التَّأْنِيثِ فَإِنَّ الْكَلَامَ إذَا احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى أَظْهَرِهِمَا وَمَنْ تَكَلَّفَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ كَلَامِ الْعَرَبِ الْمَعْرُوفِ وَالْقُرْآنُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ وَالْعُدُولُ عَمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْكَلَامِ إلَى مَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِلَا دَلِيلٍ لَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ فَكَيْفَ إذَا كَانَ نَصًّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يُلْهِمُ التَّقْوَى وَالْفُجُورَ . وَلِبَسْطِ هَذَا مَوْضِعٌ آخَرُ . وَ ( الْمَقْصُودُ هُنَا أَمْرُ النَّاسِ بِتَزْكِيَةِ أَنْفُسِهِمْ وَالتَّحْذِيرُ مِنْ تَدْسِيَتِهَا كَقَوْلِهِ: { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْمَعْنَى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى اللَّهُ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَمْرٌ لَهُمْ وَلَا نَهْيٌ ؛ وَلَا تَرْغِيبٌ وَلَا تَرْهِيبٌ . وَالْقُرْآنُ إذَا أَمَرَ أَوْ نَهَى لَا يَذْكُرُ مُجَرَّدَ"الْقَدَرِ"فَلَا يَقُولُ: مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ مُؤْمِنًا . بَلْ يَقُولُ: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } إذْ ذِكْرُ مُجَرَّدِ الْقَدَرِ فِي هَذَا يُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ وَلَا يَلِيقُ هَذَا بِأَضْعَفِ النَّاسِ عَقْلًا فَكَيْفَ بِكَلَامِ اللَّهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ فِي مَقَامِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ يَذْكُرُ مَا يُنَاسِبُهُ مِنْ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالْمَدْحِ وَالذَّمِّ وَإِنَّمَا يَذْكُرُ الْقَدْرَ عِنْدَ بَيَانِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ: إمَّا بِمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت