وَلَعَلَّ كَلَامَ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ مُتَنَاوِلٌ لِهَذَا وَهُوَ الْمُعْرِضُ عَنْهَا لَا مُقِرًّا وَلَا مُنْكِرًا . وَإِنَّمَا هُوَ مُتَكَلِّمٌ بِالْإِسْلَامِ فَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ فَإِنْ قُلْنَا . يَكْفُرُ بِالِاتِّفَاقِ ؛ فَيَكُونُ اعْتِقَادُ وُجُوبِ هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ عَلَى التَّعْيِينِ مِنْ الْإِيمَانِ لَا يَكْفِي فِيهَا الِاعْتِقَادُ الْعَامُّ ؛ كَمَا فِي الْخَبَرِيَّاتِ مِنْ أَحْوَالِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَفْعَالَ الْمَأْمُورَ بِهَا الْمَطْلُوبُ فِيهَا الْفِعْلُ لَا يَكْفِي فِيهَا الِاعْتِقَادُ الْعَامُّ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِقَادٍ خَاصٍّ ؛ بِخِلَافِ الْأُمُورِ الْخَبَرِيَّةِ ؛ فَإِنَّ الْإِيمَانَ الْمُجْمَلَ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ وَأَمْرِ الْمُعَادِ يَكْفِي فِيهِ مَا لَمْ يَنْقُضْ الْجُمْلَةَ بِالتَّفْصِيلِ وَلِهَذَا اكْتَفَوْا فِي هَذِهِ الْعَقَائِدِ بِالْجُمَلِ وَكَرِهُوا فِيهَا التَّفْصِيلَ الْمُفْضِيَ إلَى الْقِتَالِ وَالْفِتْنَةِ بِخِلَافِ الشَّرَائِعِ الْمَأْمُورِ بِهَا ؛ فَإِنَّهُ لَا يَكْتَفِي فِيهَا بِالْجُمَلِ ؛ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَفْصِيلِهَا عِلْمًا وَعَمَلًا . وَأَمَّا الْقَاتِلُ وَالزَّانِي وَالْمُحَارِبُ فَهَؤُلَاءِ إنَّمَا يُقْتَلُونَ لِعُدْوَانِهِمْ عَلَى الْخَلْقِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْفَسَادِ الْمُتَعَدِّي وَمَنْ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ حَدُّ اللَّهِ وَلَا يَكْفُرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ . وَأَيْضًا فَالْمُرْتَدُّ يُقْتَلُ لِكُفْرِهِ بَعْدَ إيمَانِهِ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَارِبًا . فَثَبَتَ أَنَّ الْكُفْرَ وَالْقَتْلَ لِتَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَعْظَمُ مِنْهُ لِفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ . وَهَذَا الْوَجْهُ قَوِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الثَّلَاثَةِ: مَالِكٍ ؛ وَالشَّافِعِيِّ ؛ وَأَحْمَد وَجُمْهُورِ السَّلَفِ وَدَلَائِلُهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُتَنَوِّعَةٌ وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَدْ يُعَارَضُ بِمَا قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا يُوجِبُ قَتْلَ أَحَدٍ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَصْلًا حَتَّى الْإِيمَانِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْتُلُ إلَّا الْمُحَارِبَ لِوُجُودِ الْحِرَابِ مِنْهُ وَهُوَ فِعْلُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَيُسَوِّي بَيْنَ الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ وَالطَّارِئِ فَلَا يَقْتُلُ الْمُرْتَدَّ لِعَدَمِ الْحِرَابِ مِنْهُ وَلَا يَقْتُلُ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ أَوْ الزَّكَاةَ إلَّا إذَا كَانَ فِي طَائِفَةٍ مُمْتَنِعَةٍ فَيُقَاتِلُهُمْ لِوُجُودِ الْحِرَابِ كَمَا يُقَاتِلُ الْبُغَاةَ وَأَمَّا الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فَيَقْتُلُ الْقَاتِلَ وَالزَّانِيَ الْمُحْصَنَ وَالْمُحَارِبَ إذَا قَتَلَ فَيَكُونُ الْجَوَابُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الِاعْتِبَارَ عِنْدَ النِّزَاعِ بِالرَّدِّ إلَى اللَّهِ وَإِلَى الرَّسُولِ وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ دَالٌّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُرْتَدَّ يُقْتَلُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ إذَا كَانَ أَعْمَى أَوْ زَمِنًا أَوْ رَاهِبًا وَالْأَسِيرُ يَجُوزُ قَتْلُهُ بَعْدَ أَسْرِهِ وَإِنْ كَانَ حِرَابُهُ قَدْ انْقَضَى . الثَّانِي: أَنَّ مَا وَجَبَ فِيهِ الْقَتْلُ إنَّمَا وَجَبَ عَلَى سَبِيلِ الْقِصَاصِ الَّذِي يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ ؛ فَإِنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ؛ كَمَا تَجِبُ الْمُقَاصَّةُ فِي الْأَمْوَالِ ؛ فَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فِي النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَبْشَارِ ؛ لَكِنْ إنْ لَمْ يَضُرَّ إلَّا الْمَقْتُولَ كَانَ قَتْلُهُ صَائِرًا إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ كَحَقِّ الْمَظْلُومِ فِي الْمَالِ وَإِنْ قَتَلَهُ لِأَخْذِ الْمَالِ كَانَ قَتْلُهُ وَاجِبًا ؛ لِأَجْلِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي هِيَ حَدُّ اللَّهِ كَمَا يَجِبُ قَطْعُ يَدِ السَّارِقِ لِأَجْلِ حِفْظِ الْأَمْوَالِ ؛ وَرَدُّ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ حَقٌّ لِصَاحِبِهِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ فَخَرَجَتْ هَذِهِ الصُّوَرُ عَنْ النَّقْضِ لَمْ يَبْقَ مَا يُوجِبُ الْقَتْلَ عِنْدَهُ بِلَا مُمَاثَلَةٍ إلَّا الزِّنَا وَهُوَ مِنْ نَوْعِ الْعُدْوَانِ أَيْضًا وَوُقُوعُ الْقَتْلِ بِهِ نَادِرٌ ؛ لِخَفَائِهِ وَصُعُوبَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ . الثَّالِثُ: أَنَّ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا لَا تَدُلُّ عَلَى كِبَرِ الذَّنْبِ وَصِغَرِهِ ؛ فَإِنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ دَارَ الْجَزَاءِ وَإِنَّمَا دَارُ الْجَزَاءِ هِيَ الْآخِرَةُ وَلَكِنْ شُرِعَ مِنْ الْعُقُوبَاتِ فِي الدُّنْيَا مَا يَمْنَعُ الْفَسَادَ وَالْعُدْوَانَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا } وَقَالَتْ الْمَلَائِكَةُ: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } . فَهَذَانِ السَّبَبَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَتْهُمَا الْمَلَائِكَةُ هُمَا اللَّذَانِ كَتَبَ اللَّهُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ الْقَتْلَ بِهِمَا ؛ وَلِهَذَا يُقِرُّ كُفَّارُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالْجِزْيَةِ مَعَ أَنَّ ذَنْبَهُمْ فِي تَرْكِ الْإِيمَانِ أَعْظَمُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذَنْبِ مَنْ نَقْتُلُهُ مِنْ زَانٍ وَقَاتِلٍ . فَأَبُو حَنِيفَةَ رَأَى أَنَّ الْكُفْرَ مُطْلَقًا