وَهَذَا النَّوْعُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: مَا أَنْكَرَهُ صَرِيحًا , وَالثَّانِي أَنْ يَعْمَلَ بِخِلَافِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ أَوْ بَعْدَ مَا بَلَغَهُ أَوْ لَا يَعْرِفُ تَارِيخَهُ , وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ يُعَيِّنَ بَعْضَ مَا احْتَمَلَهُ الْحَدِيثُ مِنْ تَأْوِيلٍ أَوْ تَخْصِيصٍ , وَالرَّابِعُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ . أَمَّا إذَا أَنْكَرَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ الرِّوَايَةَ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَسْقُطُ الْعَمَلُ بِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَسْقُطُ الْعَمَلُ بِهِ وَهَذَا أَشْبَهُ , وَقَدْ قِيلَ إنَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ أَنْ يَسْقُطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله لَا يَسْقُطُ وَهُوَ فَرْعُ اخْتِلَافِهِمَا فِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى الْقَاضِي بِقَضِيَّةٍ وَهُوَ لَا يَذْكُرُهَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله لَا تُقْبَلُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ تُقْبَلُ . أَمَّا مَنْ قَبِلَهُ فَقَدْ احْتَجَّ بِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام لَمْ يَقْبَلْ خَبَرَهُ حَيْثُ قَالَ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَهَا فَقَالَ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ ذَلِكَ قَدْ كَانَ , وَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَا نَعَمْ فَقَبِلَ شَهَادَتَهُمَا عَلَى نَفْسِهِ بِمَا لَمْ يَذْكُرْ وَلِأَنَّ النِّسْيَانَ مُحْتَمَلٌ مِنْ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ ; لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا بِتَحْمِيلِ الْأُصُولِ فَلِذَلِكَ بَطَلَتْ بِإِنْكَارِهِمْ , وَالْحُجَّةُ لِلْقَوْلِ الثَّانِي مَا رُوِيَ عَنْ { عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ أَمَا تَذْكُرُ حَيْثُ كُنَّا فِي إبِلٍ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْت فِي التُّرَابِ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ عليه السلام فَقَالَ إنَّمَا كَانَ يَكْفِيك ضَرْبَتَانِ } فَلَمْ يَذْكُرْهُ عُمَرُ فَلَمْ يَقْبَلْ خَبَرَهُ مَعَ عَدَالَتِهِ وَفَضْلِهِ وَلِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُرَدُّ بِتَكْذِيبِ الْعَادَةِ فَتَكْذِيبُ الرَّاوِي - وَعَلَيْهِ مَدَارُهُ - أَوْلَى , وَحَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام ذَكَرَهُ فَعَمِلَ بِذِكْرِهِ وَعِلْمِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ فَمَا كَانَ يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ , وَالْحَاكِي يَحْتَمِلُ النِّسْيَانَ بِأَنْ سَمِعَ غَيْرَهُ فَنَسِيَهُ وَهُمَا فِي الِاحْتِمَالِ عَلَى السَّوَاءِ وَمِثَالُ ذَلِكَ حَدِيثُ رَبِيعَةَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ فِي الشَّاهِدَيْنِ وَالْيَمِينِ أَنَّ سُهَيْلًا سُئِلَ عَنْ رِوَايَةِ رَبِيعَةَ عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ وَكَانَ يَقُولُ حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي وَمِثْلُ حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام { أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا نِكَاحُهَا بَاطِلٌ } رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ الزُّهْرِيِّ وَسَأَلَ ابْنُ جُرَيْجٍ الزُّهْرِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ فَلَمْ تَقُمْ بِهِ الْحُجَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رحمهما الله وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ أَنْكَرَ مَسَائِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ حَكَاهَا عَنْهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَلَمْ يَقْبَلْ شَهَادَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ حِينَ لَمْ يَذْكُرْ وَصَحَّحَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ وَأَمَّا إذَا عَمِلَ بِخِلَافِهِ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ رِوَايَتِهِ وَقَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ لَمْ يَكُنْ جَرْحًا ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ تَرَكَهُ بِالْحَدِيثِ إحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِ , وَأَمَّا إذَا عَمِلَ بِخِلَافِهِ بَعْدَهُ مِمَّا هُوَ خِلَافٌ بِيَقِينٍ فَإِنَّ ذَلِكَ جَرْحٌ فِيهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إنْ كَانَ حَقًّا فَقَدْ بَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَإِنْ كَانَ خِلَافُهُ بَاطِلًا فَقَدْ سَقَطَ بِهِ رِوَايَتُهُ إلَّا أَنْ يَعْمَلَ بِبَعْضِ مَا يَحْتَمِلُهُ الْحَدِيثُ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , وَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ تَارِيخُهُ لَمْ يَسْقُطْ الِاحْتِجَاجُ بِهِ ; لِأَنَّهُ حُجَّةٌ فِي الْأَصْلِ فَلَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام قَالَ { أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَهُوَ بَاطِلٌ } ثُمَّ إنَّهَا زَوَّجَتْ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ غَائِبٌ وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الرِّوَايَةِ فَلَمْ يَبْقَ حُجَّةٌ وَمِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الرُّكُوعِ سَقَطَ بِرِوَايَةِ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ صَحِبْت ابْنَ عُمَرَ سِنِينَ فَلَمْ أَرَهُ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إلَّا فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَأَمَّا عَمَلُ الرَّاوِي بِبَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ فَرُدَّ لِسَائِرِ الْوُجُوهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الْجَرْحُ بِهَذَا ; لِأَنَّ احْتِمَالَ الْكَلَامِ لُغَةً لَا يَبْطُلُ بِتَأْوِيلِهِ وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا } وَحَمْلُهُ عَلَى افْتِرَاقِ الْأَبَدَانِ وَالْحَدِيثُ مُحْتَمِلٌ افْتِرَاقَ الْأَقْوَالِ وَهُوَ مَعْنَى الْمُشْتَرَكِ ; لِأَنَّهُمَا مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ وَالِاشْتِرَاكُ لُغَةً لَا يَسْقُطُ بِتَأْوِيلِهِ وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ