وَهُوَ إمَّا مِنْ الرَّاوِي أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَالْأَوَّلُ إمَّا بِأَنْ يَعْمَلَ بِخِلَافِهِ بَعْدَ الرِّوَايَةِ فَيَصِيرُ مَجْرُوحًا كَحَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها { أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ } ثُمَّ زَوَّجَتْ بَعْدَهَا ابْنَةَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ رحمه الله تعالى , وَهُوَ غَائِبٌ وَكَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الرُّكُوعِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ صَحِبْت ابْنَ عُمَرَ رحمه الله تعالى عَشْرَ سِنِينَ فَلَمْ أَرَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ إلَّا فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ , وَإِنْ عَمِلَ بِخِلَافِهِ قَبْلَهَا أَوْ لَا يُعْلَمُ التَّارِيخُ لَا يُجَرَّحُ , وَأَمَّا بِأَنْ يَعْمَلَ بِبَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ ; فَإِنَّهُ رَدٌّ مِنْهُ لِلْبَاقِي بِطَرِيقِ التَّأْوِيلِ لَا جَرْحٌ كَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ , وَقَالَ لَا تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ , وَأَمَّا بِأَنْ أَنْكَرَهَا صَرِيحًا ( كَحَدِيثِ عَائِشَةَ { أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ } الْحَدِيثَ رَوَاهُ سُلَيْمَانُ عَنْ مُوسَى عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها , وَقَدْ أَنْكَرَ الزُّهْرِيُّ لَا يَكُونُ جَرْحًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ رحمه الله تعالى لِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ ) , وَهِيَ مَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام صَلَّى إحْدَى الْعِشَاءَيْنِ فَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِ رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَهَا ؟ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَقَالَ وَبَعْضُ ذَلِكَ قَدْ كَانَ فَأَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَقَالَ أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ فَقَالَا: نَعَمْ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ } فَقَبِلَ عليه السلام رِوَايَتَهُمَا عَنْهُ مَعَ إنْكَارِهِ . وَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ كَلَامَ النَّاسِي يُبْطِلُ الصَّلَاةَ زَعَمَ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ نُسِخَ ( وَلِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى نِسْيَانِهِ أَوْلَى مِنْ تَكْذِيبِ الثِّقَةِ الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ , وَيَكُونُ جَرْحًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله تعالى ; لِأَنَّ { عَمَّارًا قَالَ لِعُمَرَ أَمَا تَذْكُرُ حَيْثُ كُنَّا فِي إبِلٍ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ إلَى آخِرِهِ وَلَمْ يَقْبَلْهُ عُمَرُ رضي الله تعالى عنه قَالَ كُنَّا فِي إبِلِ الصَّدَقَةِ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام فَقَالَ: أَمَا كَانَ يَكْفِيكَ ضَرْبَتَانِ فَلَمْ يَتَذَكَّرْهُ عُمَرُ فَلَمْ يَقْبَلْ قَوْلَ عَمَّارٍ } يُقَالُ: تَمَعَّكَتْ الدَّابَّةُ فِي التُّرَابِ أَيْ: تَمَرَّغَتْ . وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهَذَا أَنَّ عَمَّارًا لَوْ لَمْ يَحْكِ حُضُورَ عُمَرَ فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ لَقَبِلَهُ عُمَرُ لِعَدَالَةِ عَمَّارٍ فَالْمَانِعُ مِنْ الْقَبُولِ أَنَّ عَمَّارًا حَكَى حُضُورَ عُمَرَ وَعُمَرُ لَمْ يَتَذَكَّرْ ذَاكَ فَبِالْأَوْلَى إذَا نُقِلَ عَنْ رَجُلٍ حَدِيثٌ , وَهُوَ لَا يَتَذَكَّرُهُ لَا يَكُونُ مَقْبُولًا . وَنَقَلَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سُفْيَانَ { عَنْ شَقِيقٍ كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , وَأَبِي مُوسَى فَقَالَ أَبُو مُوسَى أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَنِي أَنَا وَأَنْتَ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ الصَّعِيدَ فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام أَمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا , وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ وَاحِدَةً , وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ ؟ } .( وَهَذَا فَرْعُ خِلَافِهِمَا فِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى قَاضٍ أَنَّهُ قَضَى بِهَذَا , وَلَمْ يَتَذَكَّرْ الْقَاضِي , وَالثَّانِي أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ الصَّحَابِيِّ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ يَكُونُ جَرْحًا نَحْوَ { الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ } ) وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ عُمَرُ وَعَلِيٌّ رضي الله عنهما , وَلَا يُمْكِنُ خَفَاءُ مِثْلِ هَذَا الْحُكْمِ عَنْهُمَا , وَفِيمَا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ لَا يَكُونُ جَرْحًا كَمَا لَمْ يَعْمَلْ أَبُو مُوسَى بِحَدِيثِ الْوُضُوءِ عَلَى مَنْ قَهْقَهَ فِي الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ مِنْ الْحَوَادِثِ النَّادِرَةِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْخَفَاءِ عَنْهُ , وَإِنْ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فَإِنْ كَانَ الطَّعْنُ مُجْمَلًا لَا يُقْبَلُ , وَإِنْ كَانَ مُفَسَّرًا , فَإِنْ فَسَّرَ بِمَا هُوَ جَرْحٌ شَرْعًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ , وَالطَّاعِنُ مِنْ أَهْلِ النَّصِيحَةِ لَا مِنْ أَهْلِ الْعَدَاوَةِ وَالْعَصَبِيَّةِ يَكُونُ جَرْحًا وَإِلَّا , فَلَا , وَمَا لَيْسَ بِطَعْنٍ شَرْعًا فَمَذْكُورٌ فِي أُصُولِ الْبَزْدَوِيِّ فَإِنْ أَرَدْت فَعَلَيْكَ بِالْمُطَالَعَةِ فِيهِ .