فهرس الكتاب

الصفحة 455 من 738

أَنَّ الْمَعْطُوفَ بَعْدَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِحَسَبِ مَا يُمْكِنُ , وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: إنَّهَا تَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ بِلَا مُهْلَةٍ أَيْ: فِي عَقِبِهِ وَلِهَذَا قَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ: إنَّ مَعْنَاهَا التَّفَرُّقُ عَلَى مُوَاصَلَةٍ . وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ تُحْكَى عَنْ الزَّجَّاجِ وَأَخَذَهَا ابْنُ جِنِّي فِي لُمَعِهِ". وَمَعْنَى التَّفَرُّقِ أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلْجَمْعِ كَالْوَاوِ , وَمَعْنَى عَلَى مُوَاصَلَةٍ أَيْ: أَنَّ الثَّانِيَ لَمَّا كَانَ يَلِي الْأَوَّلَ مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ زَمَانِيٍّ كَانَ مُوَاصِلًا لَهُ . وَاسْتَدَلَّ الْفَارِسِيُّ فِي"الْإِيضَاحِ"عَلَى ذَلِكَ بِوُقُوعِهَا فِي جَوَابِ الشَّرْطِ , نَحْوُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ . يُرِيدُ أَنَّ الْجَوَابَ يَلِي الشَّرْطَ عَقِبَهُ بِلَا مُهْلَةٍ . وَأَمَّا قوله تعالى: { وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا } قَالَ الْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ قَرُبَ هَلَاكُهَا . وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ: أَيْ أَرَدْنَا إهْلَاكَهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا , وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ عِلْمِ الْكَلَامِ . وَقِيلَ: لَمَّا كَانَ مَجِيءُ الْبَأْسِ مَجْهُولًا عِنْدَ النَّاسِ قُدِّرَ كَالْعَدَمِ , وَلَمَّا حَصَلَ الْهَلَاكُ اعْتَقَدُوا وُجُودَهُ فَحَسُنَ دُخُولُ الْفَاءِ . وَقِيلَ: لَيْسَتْ عَاطِفَةً , وَإِنَّمَا هِيَ سَبَبِيَّةٌ , وَالْفَاءُ السَّبَبِيَّةُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّعْقِيبُ , فَإِنَّك تَقُولُ: أَكْرَمْت زَيْدًا أَمْسِ , فَأَكْرَمَنِي الْيَوْمَ , وَهَذَا تَأْوِيلٌ ظَاهِرٌ , وَعَلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قوله تعالى: { فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً } ثُمَّ التَّرْتِيبُ إمَّا فِي الزَّمَانِ نَحْوُ { خَلَقَك فَسَوَّاك } وَلِهَذَا كَثُرَ كَوْنُ تَابِعِهَا مُسَبَّبًا , نَحْوُ ضَرَبْته فَهَلَكَ , أَوْ فِي الذِّكْرِ , وَهُوَ عَطْفُ مُفَصَّلٍ عَلَى مُجْمَلٍ هُوَ , نَحْوُ { وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ } أَوْ مُتَأَخِّرٌ عَمَّا قَبْلَهُ فِي الْإِخْبَارِ نَحْوُ: بِسَقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّهَا تَأْتِي لِغَيْرِ التَّرْتِيبِ , وَهَذَا مَعَ مَا نُقِلَ عَنْهُ مِنْ أَنَّ الْوَاوَ تُفِيدُ التَّرْتِيبَ عَجِيبٌ , وَهُوَ يُوقِعُ خَلَلًا فِي ذَلِكَ النَّقْلِ , فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ هَذَا فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ فِي قوله تعالى { ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى } الْمَعْنَى ثُمَّ تَدَلَّى فَدَنَا , وَلَكِنَّهُ جَائِزٌ إذَا كَانَ الْمَعْنَى فِي الْفِعْلَيْنِ وَاحِدًا , أَوْ كَالْوَاحِدِ قَدَّمْت أَيَّهُمَا شِئْت فَقُلْت: دَنَا فَقَرُبَ أَوْ قَرُبَ فَدَنَا , وَشَتَمَنِي فَأَسَاءَ , أَوْ أَسَاءَ فَشَتَمَنِي ; لِأَنَّ الشَّتْمَ وَالْإِسَاءَةَ وَاحِدٌ . وَنُوقِشَ بِأَنَّ الْقَلْبَ إنَّمَا يَصِحُّ فِيمَا يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مُسَبَّبًا وَسَبَبًا مِنْ وَجْهَيْنِ , فَيَكُونُ التَّرْتِيبُ حَاصِلًا قَدَّمْت أَوْ أَخَّرْت , فَقَوْلُكَ: دَنَا فَقَرُبَ . الدُّنُوُّ عِلَّةُ الْقُرْبِ , وَالْقُرْبُ غَايَتُهُ . فَإِذَا قُلْت: دَنَا فَقَرُبَ , فَمَعْنَاهُ لَمَّا دَنَا حَصَلَ الْقُرْبُ , وَإِذَا عَكَسْت فَقُلْت: قَرُبَ فَدَنَا , فَمَعْنَاهُ قَرُبَ فَلَزِمَ مِنْهُ الدُّنُوُّ , وَلَا يَصِحُّ فِي قَوْلِك: ضَرَبْته فَبَكَى ; لِأَنَّ الضَّرْبَ لَيْسَ غَايَتَهُ الْبُكَاءُ بَلْ الْأَدَبُ , أَوْ شَيْءٌ آخَرُ , وَكَذَلِكَ أَعْطَيْته فَشَنَّعَا . وَقَالَ الْجَرْمِيُّ: لَا تُفِيدُ الْفَاءُ التَّرْتِيبَ فِي الْبِقَاعِ وَلَا فِي الْأَمْطَارِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ . وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: نَصَّ الْفَارِسِيُّ فِي"الْإِيضَاحِ"عَلَى أَنَّ"ثُمَّ"أَشَدُّ تَرَاخِيًا مِنْ الْفَاءِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْفَاءَ لَهَا تَرَاخٍ , وَكَذَلِكَ ذَكَرَ غَيْرُهُ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ , وَلَمْ يَدَّعِ أَنَّهَا لِلتَّعْقِيبِ إلَّا الْمُتَأَخِّرُونَ . قُلْت: وَهِيَ عِبَارَةُ أَبِي بَكْرِ بْنِ السَّرَّاجِ فِي أُصُولِهِ", فَقَالَ: وَ"ثُمَّ"مِثْلُ الْفَاءِ إلَّا أَنَّهَا أَشَدُّ تَرَاخِيًا , وَقَالَ ابْنُ الْخَشَّابِ: ظَاهِرُهُ أَنَّ فِي الْفَاءِ تَرَاخِيًا جَمًّا ; لِأَنَّ أَشَدَّ"أَفْضَلُ لِلتَّفْضِيلِ"وَلَا يَقَعُ التَّفْضِيلُ إلَّا بَيْنَ مُشْتَرِكَيْنِ فِي مَعْنًى , ثُمَّ يَزِيدُ الْمُفَضَّلُ عَلَى الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى , وَلَا تَرَاخِيَ تَدُلُّ عَلَيْهِ الْفَاءُ فِيمَا بَعْدَهَا عَمَّا قَبْلَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ عَدَّ تَعْقِيبَ الْفَاءِ وَتَرْتِيبَهَا تَرَاخِيًا فَذَلِكَ تَسَاهُلٌ فِي الْعِبَارَةِ وَتَسَامُحٌ . ثُمَّ شَرَعَ فِي تَأْوِيلِ عِبَارَةِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى أَنَّ"أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ"قَدْ لَا يُرَادُ بِهِ ظَاهِرُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا } وَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي مُسْتَقَرِّ أَهْلِ النَّارِ . قُلْت: وَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا فَقَدْ صَرَّحَ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ , فَقَالَ فِي الْفَاءِ: إنَّ أَصْلَهَا الْإِتْبَاعُ , وَلِذَلِكَ لَا تَعْرَى عَنْهُ مَعَ تَعَرِّيهَا عَنْ الْعَطْفِ فِي جَوَازِ الشَّرْطِ , وَلَكِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت