فهرس الكتاب

الصفحة 555 من 738

10 -أ - أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا . فَلَوْ حَكَّمَ الْخَصْمَانِ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ مَثَلًا لَمْ يَجُزْ بِالْإِجْمَاعِ , لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَهَالَةِ , إلَّا إذَا رَضَوْا بِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ , فَيَكُونُ حِينَئِذٍ تَحْكِيمًا لِمَعْلُومٍ . 11 - ب - أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ . وَعَلَى ذَلِكَ اتِّفَاقُ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ , عَلَى خِلَافٍ فِيمَا بَيْنَهَا فِي تَحْدِيدِ عَنَاصِرِ تِلْكَ الْأَهْلِيَّةِ . وَالْمُرَادُ بِأَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ هُنَا: الْأَهْلِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ لِلْقَضَاءِ , لَا فِي خُصُوصِ الْوَاقِعَةِ مَوْضُوعِ النِّزَاعِ . وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: إنَّ هَذَا الشَّرْطَ يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ عِنْدَمَا لَا يُوجَدُ الْأَهْلُ لِذَلِكَ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ مُطْلَقًا , وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ جَوَازَ التَّحْكِيمِ بِعَدَمِ وُجُودِ قَاضٍ , وَقِيلَ: يَتَقَيَّدُ بِالْمَالِ دُونَ الْقِصَاصِ وَالنِّكَاحِ , أَيْ إثْبَاتِ عَقْدِ النِّكَاحِ . وَفِي قَوْلٍ لِلْحَنَابِلَةِ: إنَّ الْمُحَكَّمَ لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ كُلُّ صِفَاتِ الْقَاضِي . وَثَمَّةَ أَحْكَامٌ تَفْصِيلِيَّةٌ لِهَذَا الشَّرْطِ يُرْجَعُ إلَيْهَا فِي مَبْحَثِ ( دَعْوَى ) ( وَقَضَاءٌ ) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ أَهْلِيَّةَ الْقَضَاءِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُتَحَقِّقَةً فِي الْمُحَكَّمِ مِنْ وَقْتِ التَّحْكِيمِ إلَى وَقْتِ الْحُكْمِ . وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُحَكَّمِ: الْإِسْلَامُ , إنْ كَانَ حَكَمًا بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ , وَكَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا , أَمَّا إذَا كَانَا غَيْرَ مُسْلِمَيْنِ يُشْتَرَطُ إسْلَامُ الْمُحَكَّمِ . وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ غَيْرَ الْمُسْلِمِ أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ بَيْنَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ , فَيَكُونُ تَرَاضِي الْخَصْمَيْنِ عَلَيْهِ كَتَوْلِيَةِ السُّلْطَانِ إيَّاهُ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ وِلَايَةَ غَيْرِ الْمُسْلِمِ الْحُكْمَ بَيْنَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ صَحِيحَةٌ . وَكَذَلِكَ التَّحْكِيمُ . وَلَوْ كَانَا غَيْرَ مُسْلِمَيْنِ , وَحَكَّمَا غَيْرَ مُسْلِمٍ جَازَ . فَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُ الْحَكَمِ عَلَى الْمُسْلِمِ , وَيَنْفُذُ لَهُ . وَقِيلَ: لَا يَنْفُذُ لَهُ أَيْضًا . 12 - أَمَّا الْمُرْتَدُّ فَتَحْكِيمُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه مَوْقُوفٌ , فَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ صَحَّ , وَإِلَّا بَطَلَ . وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ جَائِزٌ فِي كُلِّ حَالٍ . وَعَلَى ذَلِكَ فَلَوْ حَكَّمَ مُسْلِمٌ وَمُرْتَدٌّ رَجُلًا , فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا , ثُمَّ قُتِلَ الْمُرْتَدُّ , أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ , لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُ عَلَيْهِمَا . 13 - وَرَتَّبُوا عَلَى ذَلِكَ آثَارًا تَظْهَرُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ التَّفْرِيعِيَّةِ . . . مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ لَوْ حَكَّمَا صَبِيًّا فَبَلَغَ , أَوْ غَيْرَ مُسْلِمٍ فَأَسْلَمَ , ثُمَّ حَكَمَ , لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ . وَلَوْ حَكَّمَا مُسْلِمًا , ثُمَّ ارْتَدَّ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ أَيْضًا , وَكَانَ فِي رِدَّتِهِ عَزْلُهُ . فَإِذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَحْكِيمٍ جَدِيدٍ . وَلَوْ عَمِيَ الْمُحَكَّمُ , ثُمَّ ذَهَبَ الْعَمَى , وَحَكَمَ لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُ . أَمَّا إنْ سَافَرَ أَوْ مَرِضَ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ , ثُمَّ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ أَوْ بَرِئَ وَحَكَمَ جَازَ , لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدَحُ بِأَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ . وَلَوْ أَنَّ حَكَمًا غَيْرَ مُسْلِمٍ , حَكَّمَهُ غَيْرُ الْمُسْلِمِينَ , ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ الْحُكْمِ , فَهُوَ عَلَى حُكُومَتِهِ , لِأَنَّ تَحْكِيمَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ لِلْمُسْلِمِ جَائِزٌ وَنَافِذٌ . وَلَوْ أَنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ وَكَّلَ الْحَكَمَ بِالْخُصُومَةِ فَقَبِلَ , خَرَجَ عَنْ الْحُكُومَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ , وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ وَمُحَمَّدٍ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهَا فِي قَوْلِ الْكُلِّ . 14 - ج - أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ الْمُحَكَّمِ وَأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ قَرَابَةٌ تَمْنَعُ مِنْ الشَّهَادَةِ . وَإِذَا اشْتَرَى الْمُحَكَّمُ الشَّيْءَ الَّذِي اخْتَصَمَا إلَيْهِ فِيهِ , أَوْ اشْتَرَاهُ ابْنُهُ أَوْ أَحَدٌ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ , فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الْحُكُومَةِ . وَإِنْ حَكَّمَ الْخَصْمُ خَصْمَهُ , فَحَكَمَ لِنَفْسِهِ , أَوْ عَلَيْهَا جَازَ تَحْكِيمُهُ ابْتِدَاءً , وَمَضَى حُكْمُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ جَوْرًا بَيِّنًا , وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ . أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلَهُمْ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا , سَوَاءٌ أَكَانَ الْخَصْمُ الْحَكَمَ قَاضِيًا أَمْ غَيْرَهُ . الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا لِلتُّهْمَةِ . الثَّالِثُ: التَّفْرِقَةُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُحَكَّمُ قَاضِيًا أَوْ غَيْرَهُ , فَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ الْمُحَكَّمُ قَاضِيًا لَمْ يَجُزْ , إنْ لَمْ يَكُنْ قَاضِيًا جَازَ . وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ , وَبِهِ أَخَذَ الْحَنَابِلَةُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت