14 -مِنْ الشُّرُوطِ الْمُوجِبَةِ لِحَدِّ الزِّنَى وَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ , لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: { ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ } . وَقَدْ نَازَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالْإِرْسَالِ تَارَةً وَبِالْوَقْفِ تَارَةً أُخْرَى . قَالَ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ: وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ الْإِرْسَالَ لَا يَقْدَحُ , وَإِنَّ الْمَوْقُوفَ فِي هَذَا لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ ; لِأَنَّ إسْقَاطَ الْوَاجِبِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِشُبْهَةٍ خِلَافُ مُقْتَضَى الْعَقْلِ , بَلْ مُقْتَضَاهُ أَنَّ بَعْدَ تَحَقُّقِ الثُّبُوتِ لَا يَرْتَفِعُ بِشُبْهَةٍ فَحَيْثُ ذَكَرَهُ صَحَابِيٌّ حُمِلَ عَلَى الرَّفْعِ . وَأَيْضًا فِي إجْمَاعِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ كِفَايَةٌ . وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: هَذَا الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ . وَأَيْضًا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ . وَفِي تَتَبُّعِ الْمَرْوِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالصَّحَابَةِ مَا يَقْطَعُ فِي الْمَسْأَلَةِ . فَقَدْ عَلِمْنَا { أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ لِمَاعِزٍ: لَعَلَّك قَبَّلْت أَوْ غَمَزْت أَوْ نَظَرْت } . كُلُّ ذَلِكَ يُلَقِّنُهُ أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ بَعْدَ إقْرَارِهِ بِالزِّنَى , وَلَيْسَ لِذَلِكَ فَائِدَةٌ إلَّا كَوْنَهُ إذَا قَالَهَا تُرِكَ , وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ . وَلَمْ يَقُلْ لِمَنْ اعْتَرَفَ عِنْدَهُ بِدَيْنٍ , لَعَلَّهُ كَانَ وَدِيعَةً عِنْدَك فَضَاعَتْ , وَنَحْوِهِ . وَكَذَا قَالَ لِلْغَامِدِيَّةِ نَحْوُ ذَلِكَ . وَكَذَا قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه لِشُرَاحَةَ: لَعَلَّهُ وَقَعَ عَلَيْك وَأَنْتِ نَائِمَةٌ , لَعَلَّهُ اسْتَكْرَهَك , لَعَلَّ مَوْلَاك زَوَّجَك مِنْهُ وَأَنْتِ تَكْتُمِينَهُ . فَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ كَوْنُ الْحَدِّ يُحْتَالُ فِي دَرْئِهِ بِلَا شَكٍّ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الِاسْتِفْسَارَاتِ الْمُفِيدَةَ لِقَصْدِ الِاحْتِيَالِ لِلدَّرْءِ كُلَّهَا كَانَتْ بَعْدَ الثُّبُوتِ ; لِأَنَّهُ كَانَ بَعْدَ صَرِيحِ الْإِقْرَارِ وَبِهِ الثُّبُوتُ . وَهَذَا هُوَ الْحَاصِلُ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ وَمِنْ قَوْلِهِ: { ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ } . فَكَانَ هَذَا الْمَعْنَى مَقْطُوعًا بِثُبُوتِهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ , فَكَانَ الشَّكُّ فِيهِ شَكًّا فِي ضَرُورِيٍّ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَائِلِهِ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا يَقَعُ الِاخْتِلَافُ أَحْيَانًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي بَعْضِ الشُّبُهَاتِ أَهِيَ شُبْهَةٌ صَالِحَةٌ لِلدَّرْءِ بِهَا أَمْ لَا . وَعَرَّفَ الْحَنَفِيَّةُ الشُّبْهَةَ بِأَنَّهَا مَا يُشْبِهُ الثَّابِتَ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ . وَقَدْ قَسَّمَ كُلُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ الشُّبْهَةَ إلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ . تَفْصِيلُهَا فِيمَا يَلِي: أ - ( أَنْوَاعُ الشُّبْهَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ) : 15 - الشُّبْهَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: شُبْهَةٌ فِي الْفِعْلِ , وَشُبْهَةٌ فِي الْمَحَلِّ , وَشُبْهَةُ الْعَقْدِ . وَقَدْ اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى النَّوْعَيْنِ الْأُولَيَيْنِ , وَاخْتَلَفُوا فِي الثَّالِثِ . 1 - ( الشُّبْهَةُ فِي الْفِعْلِ ) : 16 - وَتُسَمَّى أَيْضًا: شُبْهَةَ الْمُشَابَهَةِ , وَشُبْهَةَ الِاشْتِبَاهِ . وَهِيَ: أَنْ يُظَنَّ غَيْرُ الدَّلِيلِ دَلِيلًا . فَتَتَحَقَّقَ فِي حَقِّ مَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ فَقَطْ , أَيْ مَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ , وَلَا دَلِيلَ فِي السَّمْعِ يُفِيدُ الْحِلَّ بَلْ ظَنُّ غَيْرِ الدَّلِيلِ دَلِيلًا , فَلَا بُدَّ مِنْ الظَّنِّ , وَإِلَّا فَلَا شُبْهَةَ أَصْلًا , لِفَرْضِ أَنْ لَا دَلِيلَ أَصْلًا لِتَثْبُتَ الشُّبْهَةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ . فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ظَنُّهُ ثَابِتًا لَمْ تَكُنْ شُبْهَةٌ أَصْلًا , وَلَيْسَتْ بِشُبْهَةٍ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَشْتَبِهْ عَلَيْهِ , حَتَّى لَوْ قَالَ: إنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ حُدَّ . ثُمَّ إنَّ شُبْهَةَ الْفِعْلِ تَكُونُ فِي ثَمَانِيَةِ مَوَاضِعَ: ثَلَاثَةٍ مِنْهَا فِي الزَّوْجَاتِ , وَخَمْسَةٍ فِي الْجَوَارِي . فَمَوَاضِعُ الزَّوْجَاتِ: مَا لَوْ وَطِئَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا فِي الْعِدَّةِ , أَوْ وَطِئَ مُطَلَّقَتَهُ الْبَائِنَ فِي الطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ , أَوْ الْمُخْتَلِعَةَ . وَمَوَاضِعُ الْجَوَارِي: هِيَ وَطْءُ جَارِيَةِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ أَوْ الْجَدِّ أَوْ الْجَدَّةِ وَإِنْ عَلَوْا , وَوَطْءُ جَارِيَةِ الزَّوْجَةِ , وَوَطْءُ أُمِّ وَلَدِهِ الَّتِي أَعْتَقَهَا وَهِيَ فِي الِاسْتِبْرَاءِ , وَالْعَبْدُ يَطَأُ جَارِيَةَ مَوْلَاهُ , وَالْمُرْتَهِنُ يَطَأُ الْجَارِيَةَ الْمَرْهُونَةَ عِنْدَهُ , وَكَذَا الْمُسْتَعِيرُ لِلرَّهْنِ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَهِنِ . فَالْوَاطِئُ فِي هَذِهِ الْحَالَاتِ إذَا ظَنَّ الْحِلَّ يُعْذَرُ , وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ ; لِأَنَّ الْوَطْءَ حَصَلَ فِي مَوْضِعِ الِاشْتِبَاهِ , بِخِلَافِ مَا لَوْ وَطِئَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً وَقَالَ: ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي , فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى دَعْوَاهُ وَيُحَدُّ . وَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ فِي شُبْهَةِ الْفِعْلِ