لفظ { إنى متوفيك } فى آيات سورة آل عمران ولفظ { فلما توفيتنى } فى آيات سورة المائدة لامتبادر منهما أن عيسى عليه السلام قد مات لن كلمة (توفى) وردت في القرآن الكريم بمعنى الموت، حتى صار هذا المعنى هو المتبادر منها عند النطق بها، كما يأتى لفظ (توفيت) فى اللغة بمعنى القبض والأخذ، وعلى هذا يكون معنى { إنى متوفيك } ، { فلما توفيتنى } إنى قابضك من الأرض ، كما يقال توفيت من فلان ما لى عليه بمعنى قبضته واستوفيته - ويأتى لفظ (يتوفى) بمعنى النوم كما في قوله تعالى في سورة الأنعام في الآية 60 (وهو الذى يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم غليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم بعملون)
ففى هذه الآية جاء لفظ (يتوفى) ، مقصودا به النوم، كما استعمل لفظ (يبعث) - الذى يشير عادة إلى البعث في الحياة الأخرى بعد الموت في الدنيا - بمعنى الأيقاظ من النوم وعلى هذا فإنه يمكن أن يقصد بلفظ (إنى متوفيك) و (فلما توفيتنى) معنى النوم أيضا بدلا من الوفاة بمعنى الموت السابق ذكره .
تأويل قول الله { ورافعك إلى } { بل رفعه الله إليه } فلفظ { ورافعك إلى } فى آيات آل عمران و { بل رفعه الله إليه } فى آيات سورة النساء فسره جمهور المفسرين على أن الله رفع عيسى عليه السلام إلى السماء - واللفظ الأخير { بل رفعه الله إليه } اخبار عن تحقيق ما وعد الله به في آيات آل عمران بقوله تعالى { إنى متوفيك ورافعك إلى } وقد جاء لفظ الرفع في القرآن الكريم بالرفع المادى المعنى الذى يدل على التشريف والتكريم، وإذا كان القول بالرفع المادى هو المقبول لأن به نجاة عيسى عليه السلام من أعدائه فعلا روحا وجسدا لزم عليه أن يسبق هذا الرفع المادى موته حيقيقة أو حكما بالنوم، لأن في رفعه حيا بحياته العادية في الدنيا تعذيبا له لما علم الآن بالتجربة العلمية من أن الإنسان كلما صعد في الجو إلى أعلى ضاق صدره لقلة الاكسوجين في الهواء كما يقول العلماء التجريبيون الآن .
ولعل الآية الكريمة في سورة الأنعام تشير إلى صدق هذه التجربة العلمية ( يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء) من الآية رقم 125 .
فجماع ما تقدم يشير إلى أن الله سبحانه وتعالى رفع عيسى عليه السلام وأنجاه من القتل والصلب، يعنى أنه توفاه وأماته إما حقيقة أو حكما بالنوم ليعفيه ويجنبه بهذه التوفية أقسى العذاب الذى يتعرض له الجسد الإنسانى الحى لو صعد بحالته العادية في الدنيا إلى السماء، أو أنه رفع حيا وما زال كذلك حياة لا تدرى طبيعتها .
تأويل قوله تعالى { ولكن شبه لهم } فلفظ { ولكن شبه لهم } فى آيات سورة النساء السابق تلاوتها اختلف المفسرون في صفة التشبيه وكيفيته - على ما حكاه الطبرى في تفسيره - فقال بعضهم إن اليهود حين أحاطوا بعيسى عليه السلام مع أصحابه لم يكونوا يعرفونه بشخصه وأشكل عليهم استخراجه بذاته من بين من كانوا معه لأن الله حولهم جيمعا إلى شبه عيسى وصورته ، ولذلك ظنوا أن من قتلوه هو عيسى وليس كذلك .
وقال آخرون ان شبه عيسى ألقى على أحد أصحباه فأخذه اليهود وقتلوه .
ويأتى لفظ (شبه) فى اللغة العربية بمعنى لبس الأمر من قولهم اشتبهت الأمور وتشابهت التبست فلم تتميز ولم تظهر ومنه اشتبهت القبلة ونحوها أى لم تتبين جهتها - ومعنى (ولكن شبه لهم) على هذا أن الأمر بشأن المصلوب لبس على من قبضوا عليه وحاكموه ومن صلبوه، وأن الذى جعل الأمر يلتبس عليهم أن الله قد خلص المسيح عليه السلام ورفعه إليه دون أن يدرك ذلك من حضروا للقبض عليه بعد أن التبس عليهم شخصه وذاته فواقع المر قد لبس عليهم أو التبس واختلط فلم يدركوا ذات المسيح عليه السلام .
ويمكن أن يقال أيضا إن قوله تعالى { ولكن شبه لهم } معناه أى وقعت الشبهة لهم فظنوا أنهم قتلوه مع أنهم قتلوا غيره ظانين أنه هو .
وقد كذب الله سبحانه وتعالى وهمهم بقوله { وما قتلوه وما صلبوه } كما زعموا ولكن وقعت لهم شبهة في ذاته فقتلوا وصلبوا غيره .
ومن هذا العرض لما تحمله هذه الآيات في شأن وفاة عيسى عليه السلام وهل كانت وفاة موت أو وفاة نوم أو وفاة قبض ونقل ورفع وما يحتمله قوله تعالى { ورافعك } وقوله { بل رفعه الله إليه } من الرفع المادى بمعنى أنه نقله بذاته وجسمه من بين من أرادوا القبض عليه وقتله فلم يمكنهم منه أو أن الرفع أدبى ومعنوى رفع مكانة وتشريف وما قيل في قوله تعالى { ولكن شبه لهم } من هذا يظهر اختلاف العلماء في شأن عيسى عليه السلام .
المختار من هذه التأويلات والذى اختاره أن الله سبحانه وتعالى قد رفع عيسى عليه السلام من بين أعدائه ولم يمكنهم من القبض عليه فلم يقتلوه ولم يصلبوه كما يزعم أتباعه الآن وأن أمره التبس واشتبه على خصومه بأى طريق من طرق التلبس بالاشتباه التى أرادها الله سبحانه وأنجاه الله بها ولم تفصح الآيات المتلوة آنفا عن هذا الطريق بل جاء الفعل (شبه) بالبناء للمجهول الأم الذى كثرت في بيانه واستبانته الأفهام، ومن الحكمة وحسن التأويل لآيات القرآن الكريم الوقوف عند ما سكتت عن بيانه والكف عن استكشاف مالا طائل وراءه لأنه غير ثابت فطعا - إذ المر الذى تفيده قطعا تلك الآيات أن الله تعالى لم يمكن اليهود من قتل عيسى عليه السلام وصلبه ولكن شبه لهم والتبس أمره عليهم فلم يعرفوا ذاته وقطع القرآن في رفعه من بين أظهرهم واستخلاصه من أيديهم بقوله تعالى وما قتلوه يقينا .