الصوم منهج تربية:
العبادات في الإسلام مناهج للتربية تُصَحِّح العقيدةَ وتُطَهِّر الأخلاق وتُقَوِّم السلوك، والمسلم في صلاته وصيامه وزكاته وحجه يجمع بين الروح والبدن، ويربط بين القلب والقالب، ويرقى في معارج القدس ومنازل المصطفين الأخيار.
والصوم منهج عظيم للتربية يرتكز على الإخلاص، والخشية من الله، والحب لله، والإيثار لمرضاته سبحانه. فهو عبادة بعيدة عن الرياء ولا يطَّلع عليها إلا علام الغيوب، وهو عبادة تترفَّع بالإنسان عن مطالِب الشهوة، وتجعل الإنسان يمتَلِك الإرادة الطاهرة، وتؤهِّله لتقلبات الزمان ومواجهة مصاعب الحياة، وتمنحه صفاء العقل ونور البصيرة.
فإن الترف قاتل، وإن المُترَفين لا يبنون مجتمعًا، وإن الحرص على المادة لا يمنح السعادة.
ولنتأمل قول رسول الله ـ صلى لله عليه وسلم:"كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزى به، يدَع شهوته وطعامه من أجلى، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولَخَلُوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك".
والملاحَظ أن التعبير القرآني جعل غاية الصوم هي التقوى في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كُتِب عليكم الصيامُ كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) (البقرة:183) .
والتقوى هي جِماع الخير كله.
وما ذاك إلا لأن سلوك الصائم سلوك رشيد في الكلمة والفعل، وفي ذلك يقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم:"إذا كان يومُ صومِ أحدِكم فلا يَرفُث ولا يَصخَب فإن سابَّه أحد أو قاتَلَه فليقُلْ إني امرؤ صائم".
وفي تعبير جامع يؤكد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن التزام القيَم والولاء للحق هو الغاية القُصْوَى للصوم فيقول:"مَن لم يَدَع قول الزور والعملَ به فليس لله حاجة في أن يدَع طعامَه وشرابَه".
فقول الزور والعمل به يعني المعاصي كلها، وترك ذلك يعني الطاعات بأجمعها"."