الحج تأكيد لقوة الرحماء:
الحج فريضة لا يفي بأداء مشاعرها إلا القوي الأمين، ولا يزاول مناسكها في تمامها إلا مَن آتاه الله بسطة في العلم والجسم، ولا يستشعر آفاقها العليا إلا من كمُل إيمانه وقوي بدنُه وكان ذا قلب كبير ونفس مطمئنة.
إن الحج سفر، والسفر قطعة من العذاب، وفي الحج ترك للأوطان وهجر للأولاد وبذل للأموال، وذلك يحتاج إلى يقين صادق بالله عز وجل، وتحمُّل نفسي كبير وتجلُّد شديد، فالمال شقيق الروح، والولد مَجْبَنة، وحب الأوطان في سويداء القلوب.
وليس من اليسير أداء المناسك مع الضعف والخوَر، وقلة البأس، وهزال البدن، فالطواف حول الكعبة سبعًا، والسعي بين الصفا والمروة سبعًا وسط الزحام وتكأكؤ الناس واختلاطهم في حاجة إلى قوة رحيمة تتكافأ مع هذه المشقة، وتترفق بالناس في طوافهم وسَعْيهم حتى لا يقع شخص أو ينكفئ إنسان أو يُزاحم امرأة أو يقسو على صغير.
والإقامة في عرفات الله وفي أرض منى مع اختلاف ظروف الحياة في طقسها ومناخِها، وفي مأكلها ومشربها، وفي نومها ويقظَتِها. كل ذلك يتطلب جسدًا سليمًا يضم روحًا طاهرة ليكون الإنسان قويًّا جلدًا، رحيمًا بالضعفاء حانيًا على البائسين، شفوقًا بذوي الحاجات.
وقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حجة الوداع يُمسك بزمام ناقته ويشدها بقوة حتى لا تُسرع في زحام الناس، وينادي ويشير بيده اليمنى الشريفة: أيها الناس.. السكينةَ.. السكينةَ..
ومن هنا تتأكد أهمية الحج في تربية المسلم وتربية تقوم على القوة الرحيمة التي تعني التواضع وكظم الغيظ والحلم والأناة والرفق والتواضع وحسن الخلُق.
قال تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) (آل عمران:133ـ134) .
فهذه الصفات وإن كانت شِعار المسلم في كل وقت إلا أنها في الحج آكَد وألزم.