والمؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة لشرفهم وعظم ثواب عملهم، وهم يَحظَون بشفاعة كل مَن يسمعهم. وفي صحيح البخاريّ بسنده عن المازنيّ عن أبيه أنه أخبره أن أبا سعيد الخدريّ قال له:"إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنتَ في غنمك أو باديَتك فأذَّنتَ بالصلاة فارفَع صوتك بالنداء؛ فإنه لا يسمع مَدَى صوت المؤذن جنٌّ ولا إنسٌ ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة"قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومعلوم أن الشهادة يوم القيامة نوعان، شهادة تفضح وشهادة ترفع، فشهادة الفضوح كما في قوله تعالى: (ويومَ يُحشَرُ أعداءُ اللهِ إلى النارِ فهم يُوزَعون حتى إذا ما جاءوها شَهِدَ عليهم سمعُهم وأبصارُهم وجلودُهم بما كانوا يَعملون. وقالوا لجلودِهم لم شَهِدتم علينا قالوا أنطَقَنا اللهُ الذي أنطَقَ كلَّ شيءٍ وهو خلَقَكم أولَ مرةٍ وإليه تُرجَعون) (فصلت: 19ـ 20) وشهادة الرفعة والتكريم كشهادة القرآن لأهله والصيام للصائمين والأذان للمؤذنين.
ولِعظَمِ ثواب الأذان كان الأذان بابًا من أبواب التنافس الشريف يحرص عليه المؤمن ويسعى إليه، وقد صوَّر هذا المعنى قولُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما في صحيح البخاريّ:"لو يَعلمُ الناسُ ما في النداءِ والصفِّ الأولِ ثم لم يَجِدوا إلا أن يَستَهِموا عليه لاستَهَموا، ولو يَعلمون ما في التهجير لاستَبَقوا إليه، ولو يَعلمون ما في العَتَمة والصبح لأتَوهما ولو حَبوًا".
والتهجير هو التبكير إلى الصلاة، أو المراد به الإتيان إلى صلاة الظهر في أول وقتها رغم شدة الحر الذي هو الهَجِير. والعَتَمة هي صلاة العشاء.
فالنداء والصف الأول والتبكير في الذهاب إلى المساجد وانتظار الصلاة والحرص على الجماعة في العشاء والصبح، أبواب من الخير تَفتح على المسلم خزائنَ رحمة الله.