فهرس الكتاب
فيرى أن مجرد العقد شبهة يدرأ بها الحد ، ومتى درأ الحد بالشبهة فإنه يثبت النسب للواطئ.
والراجح هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء وهو أنه لا شبهة مع العلم بالتحريم فالإقدام على العقد مع العلم بتحريمه لاغ وكأنه لم يكن، وإذا كانت الشريعة ترغب في الستر وتضيق من مساحة تطبيق الحدود إلا أنه يجب مع ذلك أن نراعي مقصود الشارع من تشريعه للحدود ، فالحدود شرعت لتطهر العبد من الذنب إذا وقع فيه ؛ ولتكون رادعة لمقترفه عن العود إليه ورادعة لمن تسول له نفسه بالإقدام على المعصية، والتوسع في معنى الشبهة لهذا الحد يقضي على الحكمة التي من أجلها شرع حد الزنا ، بل يمكن القول بأنه يستحيل أن يطبق حد الزنا إذا ثبت بأي طريق غير الإقرار ، فتخريجا على ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة أن من زنا بامرأة متزوجة -وهي لا تزال في عصمة زوجها- ، ثم ضبطا متلبسين بالزنا فيكفيهما للإفلات من العقوبة أن يقر الزاني بأنه قد عقد عليها فهذا كاف لإسقاط الحد عنه حتى وإن كان يعلم بأنها لا تزال زوجة، ومثل هذا المنطق لا يقبله أحد، ومع هذا يبقى الفيصل في الأمر لحكم المحاكم الشرعية في البلاد فحكمها يرفع الخلاف وواجب النفاذ.
يقول ابن قدامة في المغني:
وإذا نكح رجل امرأة نكاحا متفقا على بطلانه , مثل أن ينكح ذات محرمه , أو معتدة يعلم حالها وتحريمها , فلا حكم لعقده , والخلوة بها كالخلوة بالأجنبية , لا توجب عدة , وكذلك الموت عنها لا يوجب عدة الوفاة. وإن وطئها , فعليه الحد . في قول أكثر أهل العلم ; منهم الحسن , وجابر بن زيد ومالك , والشافعي , وأبو يوسف , ومحمد , وإسحاق , وأبو أيوب , وابن أبي خيثمة.
وقال أبو حنيفة , والثوري: لا حد عليه ; لأنه وطء تمكنت الشبهة منه , فلم يوجب الحد , كما لو اشترى أخته من الرضاع ثم وطئها . وبيان الشبهة أنه قد وجدت صورة المبيح , وهو عقد النكاح الذي هو سبب للإباحة , فإذا لم يثبت حكمه وهو الإباحة , بقيت صورته شبهة دارئة للحد الذي يندرئ بالشبهات .
ولنا , أنه وطء في فرج امرأة , مجمع على تحريمه , من غير ملك ولا شبهة ملك , والواطئ من أهل الحد , عالم بالتحريم , فيلزمه الحد , كما لو لم يوجد العقد , وصورة المبيح إنما تكون شبهة إذا كانت صحيحة, والعقد هاهنا باطل محرم , وفعله جناية تقتضي العقوبة , انضمت إلى الزنى , فلم تكن شبهة.
اعتدت لوطئه بثلاثة قروء منذ وطئها , سواء فارقها , أو مات عنها , كما لو زنى بها من غير عقد .
والأنكحة الباطلة , كنكاح المرأة المزوجة أو المعتدة , أو شبهه , فإذا علما الحل والتحريم , فهما زانيان , وعليهما الحد , ولا يلحق النسب فيه . انتهى..
والله أعلم.
ـــــــــــــــــــ
الفتوى: ... القاضي والمأذون في النكاح
تاريخ الفتوى: ... 28 جمادي الأولى 1427 / 25-06-2006
السؤال