فهرس الكتاب
انتقل إلى مصر واستقر فيها، ورأى فيها ما لم يكن قد رأى، وسمع فيها ما لم يكن يسمع، وأصبح من المعروف في كتب الشافعية: قال الشافعي في القديم، وقال الشافعي في الجديد.
ثالثًا: أن الشافعية شرطوا لتزويج الأب ابنته البكر بغير إذنها شروطًا منها:
1-ألا يكون بينه وبينها عداوة ظاهرة، كطلاق أمها، أو نحو ذلك.
2-أن يزوجها من كفء.
3-أن يزوجها بمهر مثلها.
4-ألا يكون الزوج معسرًا بالمهر
5-ألا يزوجها بمن تتضرر بمعاشرته كأعمى وشيخ هرم.. الخ.
وفي هذه الشروط تخفيف لبعض آثار الإجبار، ولكنها لا تحل المشكلة من جذورها.
بعد هذا نقول:
قد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- جملة أحاديث توجب استئمار الفتاة أو استئذانها عند زواجها فلا تزوج بغير رضاها، ولو كان الذي يزوجها أباها. منها ما في الصحيح:"لا تنكح البكر حتى تستأذن"قالوا: وكيف إذنها؟ . قال:"أن تسكت"."البكر تستأذن في نفسها، وإذنها صمتها"."الثيب أحق بنفسها، والبكر يستأذنها أبوها".
وفي السنن من حديث ابن عباس: أن جارية بكرًا أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي -صلى الله عليه وسلم-. وعن عائشة:"أن فتاة دخلت عليها، فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته. وأنا كارهة، قلت: اجلسي حتى يأتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فأخبرته، فأرسل إلى أبيها فدعاه، فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن يعلم الناس أن ليس للآباء من الأمر شئ".
والظاهر من حالة هذه المرأة أنها بكر، كما قال صاحب"سبل السلام"ولعلها البكر التي في حديث ابن عباس. وقد زوجها أبوها كفئًا: ابن أخيه. وإن كانت ثيبًا، فقد صرحت أن ليس مرادها إلا إعلام النساء أن ليس للآباء من الأمر شئ! ولفظ"النساء"عام للبكر والثيب. وقد قالت هذا عنده -صلى الله عليه وسلم- فأقرها عليه.
وكأن هذه الفتاة الراشدة البصيرة أرادت أن توعّي بنات جنسها بما جعل لهن الشارع من الحق في أنفسهن، حتى لا يتسلط عليهن بعض الآباء، أو من دونهم من الأولياء، فيزوجوهن بغير رضاهن لمن يكرهنه ويسخطنه.
وقال الإمام الشوكاني في"نيل الأوطار": (ظاهر الأحاديث أن البكر البالغة إذا تزوجت بغير إذنها لم يصح العقد. وإليه ذهب الأوزاعي والثوري والعترة والحنفية، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم) .
وقبل الشوكاني قال شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه: (إن استئذان البكر البالغة واجب على الأب وغيره، وإنه لا يجوز إجبارها على النكاح وإن هذا هو الصواب، وهو رواية عن أحمد واختيار بعض أصحابه، وهو مذهب أبي حنيفة وغيره... وقال: إن جعل البكارة موجبة للحجر مخالف لأصول الإسلام، وتعليل الحجر بذلك تعليل بوصف لا تأثير له في الشرع، قال: