فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 593

طَعَامًا مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا قَبْل قَبْضِهِ , وَهَذَا مُخَالفٌ لمَا ذَكَرْنَاهُ فِي البَيْعِ فَإِنَّهُمَا خَصَّا فِيهِ الرِّوَايَتَيْنِ بِمَا فِي الذِّمَّةِ سَوَاءٌ كَانَ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ هَذَا فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ بِالبَيْعِ: وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ العُقُودِ فَقَال القَاضِي فِي المُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ: لا يَجُوزُ رَهْنُهُ وَلا هِبَتُهُ وَلا إجَارَتُهُ قَبْل القَبْضِ كَالبَيْعِ , ثُمَّ ذَكَرَا فِي الرَّهْنِ عَنْ الأَصْحَابِ أَنَّهُ يَصِحُّ رَهْنُهُ قَبْل قَبْضِهِ لأَنَّهُ لا يُؤَدِّي إلى رِبْحِ مَا لمْ يُضْمَنْ بِخِلافِ البَيْعِ , وَفِي هَذَا المَأْخَذِ نَظَرًا لأَنَّ الرَّهْنَ إنَّمَا يَصِحُّ فِيمَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لأَنَّهُ يُفْضِي إلى البَيْعِ لكِنَّ تَرْكهُ فِي يَدِ البَائِعِ لا يَطُول غَالبًا وَقَبْضُهُ مُتَيَسِّرٌ فَلذَلكَ يَصِحُّ رَهْنُهُ , وَعَلل ابْنُ عَقِيلٍ المَنْعَ مِنْ رَهْنِهِ لأَنَّهُ غَيْرُ مَقْبُوضٍ وَلا مُتَمَيِّزٍ وَلا مُتَعَيَّنٍ وَفِيهِ ضَعْفٌ لإِمْكَانِ تَمْيِيزِهِ وَقَبْضِهِ.

وَعَلل مَرَّةً أُخْرَى فِي الرَّهْنِ وَالهِبَةِ بِأَنَّ القَبْضَ شَرْطٌ لهُمَا فَكَيْفَ يَنْبَنِي عَقْدٌ مَنْ شَرْطُهُ القَبْضُ عَلى عَقْدٍ لمْ يُوجَدْ فِيهِ القَبْضُ.

وَللأَصْحَابِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ بِجَوَازِ رَهْنِهِ عَلى غَيْرِ ثَمَنِهِ حَكَاهُ أَبُو الخَطَّابِ فِيمَا كَانَ مُعَيَّنًا كَالصُّبْرَةِ وَأَظُنُّهُ مَنَعَهُ مِنْهُ فِي المُبْهَمِ لعَدَمِ تَأَتِّي القَبْضِ وَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِيهِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فَخَرَجَ مِنْ هَذَا وَجْهَانِ للأَصْحَابِ فِي سَائِرِ العُقُودِ.

وَمِنْ الأَصْحَابِ مَنْ قَطَعَ بِجَوَازِ جَعْلهِ مَهْرًا مُعَللًا بِأَنَّ ذَلكَ غَرَرٌ يَسِيرٌ يُغْتَفَرُ فِي الصَّدَاقِ وَمِنْهُمْ صَاحِبُ المُحَرَّرِ , وَهَذَا وَجْهٌ ثَالثٌ.

هَذَا كُلهُ فِي المَبِيعِ , فَأَمَّا ثَمَنُهُ فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا جَازَ التَّصَرُّفُ قَبْل قَبْضِهِ , سَوَاءٌ كَانَ المَبِيعُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْل القَبْضِ أَوْ لا , وَصَرَّحَ بِهِ القَاضِي وَإِنْ كَانَ مُبْهَمًا لمْ يَجُزْ إلا بَعْدَ تَمْيِيزِهِ , وَإِنْ كَانَ دَيْنًا جَازَ أَنْ يُعَاوِضَ عَنْهُ قَبْل قَبْضِهِ.

ذَكَرَهُ القَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَلمْ يُخَرِّجَا المُعَاوَضَةَ عَلى الخِلافِ فِي بَيْعِ الدَّيْنِ مِمَّنْ هُوَ عَليْهِ.

وَقَدْ حَكَيَا فِي ذَلكَ رِوَايَتَيْنِ وَالأَكْثَرُونَ أَدْخَلوهُ فِي جُمْلةِ صُوَرِ الخِلافِ.

وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلى جَوَازِ اقْتِضَاءِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنْ الآخَرِ بِالقِيمَةِ فِي رِوَايَةِ الأَثْرَمِ وَابْنِ مَنْصُورٍ وَحَنْبَلٍ.

وَنَقَل عَنْهُ القَاضِي البرتي فِي طَعَامٍ فِي الذِّمَّةِ هَل يَشْتَرِي بِهِ شَيْئًا مِمَّنْ عَليْهِ؟ فَتَوَقَّفَ قَال فَقُلت لهُ: لمَ لا يَكُونُ مِثْل هَذَا اقْتِضَاءُ الوَرِقِ مِنْ الذَّهَبِ فَكَأَنَّهُ أَجَازَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوَضِّحَهُ إيضَاحًا بَيِّنًا , وَهَذَا يُشْعِرُ أَنَّ اقْتِضَاءَ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنْ الآخَرِ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ خِلافٍ لحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلكَ , وَالخِلافُ فِي المُعَاوَضَةِ عَنْهُمَا بِغَيْرِهِمَا , وَلمْ يَذْكُرْ القَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الصَّرْفِ فِي ذَلكَ خِلافًا.

وَالمَعْنَى فِي ذَلكَ أَنَّ النَّقْدَيْنِ لتَقَارُبِهِمَا فِي المَعْنَى أُجْرِيَا مَجْرَى الشَّيْءِ الوَاحِدِ فَأَخْذُ أَحَدِهِمَا عَنْ الآخَرِ ليْسَ بِمُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ بَل هُوَ نَوْعُ اسْتِيفَاءٍ , وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلكَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالبٍ قَال: ليْسَ هُوَ بِبَيْعٍ وَإِنَّمَا هُوَ اقْتِضَاءٌ وَلذَلكَ لمْ يَجُزْ إلا بِالسِّعْرِ لأَنَّهُ لمَّا كَانَتْ المُمَاثَلةُ فِي القَدْرِ لاخْتِلافِ الجِنْسِ اُعْتُبِرَتْ فِي القِيمَةِ , وَهَذَا المَأْخَذُ هُوَ الذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ المُغْنِي.

وَمِنْ الأَصْحَابِ مَنْ جَعَل مَأْخَذَهُ النَّهْيَ عَنْ رِبْحِ مَا لمْ يَضْمَنْ , وَأَمَّا القَاضِي فَأَجَازَ المُعَاوَضَةَ عَنْ أَحَدِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت